اكتشاف علمي يكشف العلاقة بين مريء باريت وسرطان المريء

اكتشاف علمي يكشف العلاقة بين مريء باريت وسرطان المريء

كشف باحثون في جامعة كامبريدج البريطانية عن علاقة دقيقة بين مريء باريت وسرطان المريء الغدي، وذلك في دراسة حديثة نشرت في مجلة نيتشر.

ومريء باريت هو حالة مرضية تتغير فيها بطانة أسفل المريء، لتتحول إلى أنسجة تشبه تلك الموجودة في الأمعاء، نتيجة التعرض المزمن لأحماض المعدة، خاصة لدى مرضى الارتجاع المعدي المريئي.

واوضح الباحثون أن هذا التغير ليس سرطانيا بحد ذاته، لكنه قد يكون المرحلة الأولى التي تسبق الإصابة بسرطان المريء الغدي.

واضاف الباحثون أن اختفاء خلايا باريت لدى مرضى هذا النوع من السرطان عند التشخيص ظل لغزا محيرا للعلماء لعقدين من الزمن، رغم وجود أدلة تؤكد ارتباط هذه الخلايا بتطور سرطان المريء الغدي.

وكشفت الدراسة التي قادتها البروفيسورة ريبيكا فيتزجيرالد عن مؤشرات تدعم اعتبار مريء باريت علامة تنبؤية للإصابة بسرطان المريء الغدي، ما يجعله أداة محتملة للكشف المبكر عن هذا النوع من السرطان.

وبينت فيتزجيرالد، وهي باحثة وطبيبة بريطانية بارزة في مجال الوقاية والكشف المبكر عن السرطان، أن الدراسة شملت 3100 مريض، جرى تقسيمهم إلى مجموعتين: الأولى تضم مرضى ظهرت لديهم خلايا باريت بوضوح، والثانية دون أي دلائل على وجودها.

واكد الباحثون أنهم اعتمدوا على تحليل البيانات السريرية والوبائية للمشاركين، إلى جانب إجراء تسلسل جينومي لعينات من 710 مرضى، بهدف استكشاف الجوانب الوراثية المرتبطة بنشأة المرض.

كشف مسار نشوء سرطان المريء الغدي

افترض الباحثون وجود أكثر من مسار لفهم نشأة الخلايا السرطانية في المريء، ويرون أن هناك مسارين رئيسيين قد يقدمان تفسيرا أوليا لتطور سرطان المريء الغدي.

  • المسار الأول يفترض أن المرض قد ينشأ سواء بوجود حالة مريء باريت أو دونها لدى المرضى، ما يشير إلى اختلاف في العوامل الجينية وعوامل الخطورة بينهم.
  • المسار الثاني يطرح احتمال وجود نقطة بداية واحدة مشتركة للمرض، وهو ما يعني تشابه الخصائص الجينية وعوامل الخطورة لدى المرضى، وبالتالي يدعم فرضية أن مريء باريت يمثل المسار الأساسي لتطور هذا النوع من السرطان.

ماذا اظهرت النتايج؟

لم تظهر أي فروق جينية بين الخلايا السرطانية بعد معاينتها والكشف عن خصائصها والمادة الوراثية بداخلها، وهذا يدعم الفرضية الثانية بأن حالة باريت هي مصدر نشوء سرطان المريء الغدي.

لكن الملفت أن 35% فقط من المرضى ثبتت إصابتهم بمريء باريت، بينما كانت فحوصات البقية سلبية فلم تظهر أي علامات تدل على مريء باريت خصوصا للحالات المتقدمة من السرطان.

وفي سعيهم لتفسير هذه المعطيات، كشف الباحثون عن بروتينات تسمى TFF3 وREG4 كانت موجودة في خلايا المريء لدى جميع المرضى حتى قبل نشوء السرطان فيه، وهذا يعني -وفقا للباحثين- أن الأنسجة السرطانية التهمت خلايا باريت ودمرتها أثناء نموها، فكلما زاد تكاثر الخلايا وانتشارها اضمحلت خلايا باريت واختفت، لذلك لم يعثر عليها في الحالات المتقدمة من سرطان المريء الغدي.

وتؤكد الدكتورة شهريار زماني -إحدى الباحثات الرئيسيات في الدراسة- أن سرطان المريء الغدي يتبع مسارا واحدا عبر خلايا باريت، ما يعني أن أحد سبل الوقاية منه تبدأ بمحاربة مريء باريت وعلاجه.

كذلك تمخضت الدراسة عن توصية بالاعتماد على بروتينات TFF3 وREG4 كأحد المؤشرات الحيوية التشخيصية الواعدة للتنبؤ باحتمالية الإصابة بسرطان المريء.

دراسات سابقة اكدت ودعمت

تأتي هذه الدراسة استكمالا لدراسات سابقة بحثت في منشأ خلايا سرطان المريء وحاولت فهم العلاقة الغامضة التي تربط بين زيادة خطر الإصابة بمريء باريت وسرطان المريء الغدي تحديدا.

أحد أبرز هذه البحوث ما نشرته الباحثة ذاتها -البروفيسورة فيتزجيرالد- مع فريقها عام 2021 في مجلة ساينس (Science) حول أصل خلايا سرطان المريء الغدي، إذ كشفت الدراسة عن سلسلة من التغييرات تتعرض لها الخلايا في أعلى المعدة -تسمى سدفة المعدة (Gastric cardia)- لتتحول تدريجيا إلى ما يعرف بخلايا باريت التي قد تبدأ التكاثر السرطاني مسببة سرطان المريء الغدي.

ولم تكشف الدراسة في وقتها عن سبب اختفاء الأدلة الملموسة التي تشير إلى حالة باريت قبل سرطان المريء، لكنها أكدت أنه قد يكون مؤشرا يكشف عن المرض مبكرا، نظرا لدوره كوسيط حتمي ورئيسي في تحول مريء باريت إلى سرطان المريء الغدي.

اعتمد الباحثون على تحليل عينات نسيجية من أسفل المريء -بين المعدة والمريء- لمصابين بسرطان المريء الغدي، ومصابين بمريء باريت، وآخرين أصحاء، ثم استخدام تقنيات متطورة لإجراء تحليلات جينية والكشف عن أصل الخلايا.

واظهرت النتائج تشابها غير متوقع بين أنسجة المعدة وخلايا باريت، ما يعني -وفقا للباحثين- أن جميع خلايا سرطان المريء الغدي تبدأ من خلايا معدية قبل أن تخضع لطفرات جينية يقودها الجين c-MYC والجين HNF4A تدفعها لتحولات جذرية لتنتحل هوية الخلايا المعوية على الرغم من وجودها أعلى المعدة في طريقها لتكوين أنسجة وخلايا باريت.

ما هو مريء باريت ومدى انتشاره؟

مريء باريت هو حالة مرضية تصيب نحو 0.8% من الناس حول العالم، وفيها تتغير بطانة أسفل المريء، حيث تظهر أنسجة مخاطية بلون وردي مائل للاحمرار تمتد لمسافة لا تقل عن سنتيمتر واحد قرب نقطة اتصال المريء بالمعدة.

ورغم أن هذه الحالة ليست سرطانا، فإن أقل من 5% من المصابين بها قد تتطور لديهم الحالة لاحقا إلى سرطان المريء الغدي، وهو ما يجعلها موضع اهتمام طبي كبير.

السبب الرئيسي: الارتجاع المزمن

يرى الأطباء أن السبب الأهم للإصابة بمريء باريت هو الارتجاع المعدي المريئي المزمن، والذي يقف وراء نحو 15% إلى 20% من الحالات.

فعندما تتعرض خلايا المريء بشكل مستمر لأحماض المعدة، يحدث تهيج دائم يؤدي إلى تغير طبيعة هذه الخلايا، بحيث تتحول إلى خلايا تشبه خلايا الأمعاء، وتقوم بوظائف قريبة منها، وهو ما يعرف بالخلايا الكأسية.

هل يمكن تجنب مريء باريت؟

على الرغم من تعدد الخيارات العلاجية المتوافرة لمريء باريت، فإنه يصعب تحديد الأكثر فعالية بينها نظرا لغياب الأدلة التي تدعم ذلك حتى الآن، لكن كثرة المؤشرات العلمية التي تعزز خطر تحول خلايا باريت إلى سرطان المريء الغدي وتؤكد أنه الخطوة الأولى له، باتت تستدعي ضرورة معرفة العوامل المسببة لمريء باريت لمحاولة تجنبها وبالتالي تقليل خطر الإصابة بسرطان المريء الغدي.

وفق دراسة يابانية ضخمة ضمت ما يفوق 600 ألف شخص أجرتها مجموعة باحثين ونشروا نتائجها في مجلة نيتشر (Nature) في فبراير/شباط 2026، فإن مجموعة عوامل أكدت ارتباطها بمريء باريت بمعزل عن أي تأثيرات أخرى:

  • الارتجاع المعدي المريئي.
  • فتق الحجاب الحاجز المريئي.
  • مرض الأوعية الطرفي.
  • مرض الكبد.
  • عدوى الجرثومة الحلزونية (Helicobacter pylori).
  • استخدام أدوية تثبيط حمض المعدة لفترات طويلة.

كما ارتفع معدل الإصابة بين الرجال والأشخاص الذين تتراوح أعمارهم بين 50 و79 عاما، ما يعني تدخل التقدم في السن كأحد العوامل المؤثرة، وفي حين لا يمكن تجنب بعضها كالعمر والنوع، في المقابل يمكن تجنب بعضها الآخر والحرص على إجراء فحوصات دورية للكشف عن بعض المشكلات التي قد لا تترافق مع أعراض واضحة.

يذكر أن الدراسة أعطت انطباعا عن إحدى دول آسيا -تمثلها اليابان- وارتباط عوامل معينة مع مريء باريت، لكن سيطرة نوع معين من مريء باريت (مريء باريت قصير القطعة Short-segment BE) بين السكان اليابانيين إلى جانب عدم توافر بيانات نسيجية تتيح التمييز بين نوعي مريء باريت (القصير والطويل) يجعلها إحدى نقاط الضعف التي قد تحد من تعميم نتائج هذه الدراسة.