لا يزال ملف المفقودين في ليبيا يشكل جزءا محوريا من الانقسامات والصراعات التي تشهدها البلاد منذ عام 2011، ويمثل شاهدا على أزمة إنسانية معقدة تتطلب حلولا عاجلة، وفقا لما يراه قانونيون وحقوقيون.
فمن ضحايا الحروب الأهلية المتعددة التي شهدتها ليبيا، مرورا بالمقابر الجماعية وحالات الاختفاء القسري، وصولا إلى كارثة إعصار شرق ليبيا عام 2023 والمفقودين في رحلات الهجرة غير النظامية، تتسع دائرة الغياب وتبقى آلاف العائلات تواجه سؤالا واحدا: أين أبناؤنا؟
قانون جديد للمفقودين قيد الدراسة
عاد ملف المفقودين إلى دائرة الضوء مع إعلان بعثة الأمم المتحدة عن طرح نسخة شبه نهائية من مشروع قانون خاص بالمفقودين، وذلك برعاية برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، وتهدف هذه الخطوة إلى معالجة هذه المأساة الإنسانية التي تواجه عقبات كبيرة، حسبما ذكر الدكتور موسى القنيدي، الأكاديمي وأستاذ القانون الليبي.
واضاف القنيدي في حديث لـ«الشرق الأوسط» أن أبرز هذه العقبات تشمل ضعف الإرادة السياسية في السابق، بالإضافة إلى تداخل الاختصاصات بين الجهات المعنية بالملف وتشتت التشريعات وتضاربها، فضلا عن التعامل التمييزي مع بعض فئات المفقودين، وهو ما يعيق الوصول إلى حلول عادلة وشاملة.
وكشفت أحدث البيانات الرسمية عن تسجيل 7169 مفقودا في ليبيا، وفقا للهيئة العامة للبحث والتعرف على المفقودين، ويرى الناشط الحقوقي طارق لملوم أن هذا الرقم منطقي، لكنه لا يعكس الحجم الحقيقي للأزمة التي تعقدت منذ عام 2011، بسبب انقسام البلاد وضعف الإبلاغ والتوثيق، وتردد بعض الأسر في الإبلاغ عن مفقوديها، بالإضافة إلى ضعف الشفافية وغياب قاعدة بيانات شاملة، ما يجعل الأرقام قابلة للزيادة.
وتعود جذور هذه الظاهرة إلى ما قبل عام 2011، حيث سبق توثيق حكومي لنحو 10 آلاف مفقود خلال عهد نظام معمر القذافي، من بينهم ضحايا نزاعات خارجية مثل تشاد وأوغندا في السبعينات والثمانينات، ومجزرة سجن أبو سليم عام 1996، إضافة إلى حرب 2011.
كما رصدت اللجنة الدولية للمفقودين أكثر من 2500 حالة ما بين عامي 2012 و2014 في مدن ليبية عدة، واستمرت الظاهرة مع اكتشاف مقابر ترهونة عام 2020، وحالات مرتبطة بالهجرة غير النظامية وكارثة إعصار درنة.
أسباب متعددة ونتيجة واحدة
بين الحقوقيون أنه لا ينظر إلى المفقودين بسبب الصراعات والكوارث في ليبيا بوصفهم كتلة واحدة، إذ تتداخل خلفيات اختفائهم بين نزاعات مسلحة وانتهاكات حقوقية وحالات هجرة غير نظامية، إضافة إلى كوارث طبيعية، بينما تبقى الأسئلة معلقة حول ما إذا كان بعضهم في عداد الموتى، بينما قد يكون آخرون على قيد الحياة.
غير أن النسبة الأكبر ترتبط مباشرة بالصراعات المسلحة، خصوصا منذ عام 2011، حين أدى القتال بين قوات حكومة القذافي ومسلحين إلى سقوط أعداد كبيرة من الضحايا وظهور مقابر جماعية في بنغازي والبريقة ومصراتة وتاورغاء، حسب تصريح لملوم لـ«الشرق الأوسط»، كما شهد عام 2014 موجة جديدة من الاختفاءات مع تجدد القتال، ما وسع نطاق هذا الملف جغرافيا وإنسانيا.
ولا تزال مدينة ترهونة تجتر معاناة مفقوديها عقب الحرب على العاصمة طرابلس في أبريل 2019، خصوصا بعد اكتشاف مقابر جماعية كشفت عن انتهاكات واسعة شملت القتل والتعذيب والتهجير القسري، مع تقديرات بوجود عشرات المفقودين حتى الآن.
وقال عضو رابطة ضحايا ترهونة عبد الحكيم أبو نعامة لـ«الشرق الأوسط»: «إن 66 مفقودا ما زال مصيرهم مجهولا حتى الآن، في ظل تعاطي حكومي ضعيف مع معاناة الأهالي»، بينما يلحظ القنيدي «تحسنا نسبيا في التعاطي مع الملف بقيادة النائب العام الصديق الصور وهيئة البحث والتعرف على المفقودين، التي باتت تعمل بشكل مركزي في عمليات الانتشال وتحليل الحمض النووي بكوادر وطنية مميزة».
معاناة أسر المفقودين مستمرة
تستمر معاناة أسر مفقودين داخل مراكز احتجاز تديرها جهات عسكرية وأمنية ومسلحون في طرابلس وبنغازي، وتشير شهادات حقوقية إلى حالات اختفاء منذ عام 2014 دون محاكمات، ويعتقد أن بعضها انتهى بعمليات تصفية جسدية، وفق لملوم، الذي أقر بصعوبة تحديد أعدادهم بدقة.
وليس بعيدا عن ذلك، يبرز اختفاء عضو مجلس النواب إبراهيم الدرسي عام 2024، وعضوة المجلس سهام سرقيوة منذ 2019، إلى جانب نشطاء مدنيين مثل عبد المعز بانون المختفي منذ أكثر من 11 عاما، وعبد المطلب السرحاني منذ 2017.
غير أن رئيس المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان في ليبيا أحمد حمزة يرى أن الانتهاكات ما زالت مستمرة في شرق البلاد وغربها، بما يعكس استمرار الأزمة دون حلول جذرية.
ولا يقتصر الملف على النزاعات المسلحة، إذ يشمل أيضا حالات مرتبطة بالهجرة غير النظامية عبر «المتوسط»، حيث يفقد عدد من المهاجرين خلال محاولات العبور نحو أوروبا، وإن كانت «أقل عددا مقارنة ببقية الفئات»، وفق لملوم.
ورغم صعوبة المشهد الحقوقي، ينظر حقوقيون وأكاديميون بإيجابية إلى خطوات حكومية متفرقة بينها تشكيل لجان للإفراج عن السجناء وتحديد مصيرهم في شرق ليبيا، وقرار «الجيش الوطني» تشكيل لجنة لبحث مصير النائب الدرسي في مارس الماضي، وقبل ذلك بـ5 أعوام إنشاء «هيئة البحث والتعرف على المفقودين» في غرب البلاد.
إلا أن الأكاديمي الليبي موسى القنيدي لا يرى بديلا عن «إصلاح المنظومة القانونية المشتتة والمتضاربة بين القوانين المدنية والجنائية وأحكام الشريعة الإسلامية وقوانين الأحوال الشخصية وتشريعات بعد 2011».
والقنيدي هو واحد من بين خبراء عكفوا على إعداد مسودة قانون متكامل عقب اجتماعات استمرت 6 أشهر بإشراف الأمم المتحدة ومشاركة أعضاء بالبرلمان والمجلس الأعلى للدولة ومؤسسات ليبية معنية بالملف، ووصف المسودة بأنها «فرصة أمام مجلس النواب لتبني تشريع موحد يعالج الملف بشكل شامل ويعزز العدالة».
ومع ذلك، يرى حقوقيون أن الحسم النهائي لمأساة المفقودين يظل مرهونا بطي صفحة الانقسامات والصراعات، في إطار تسوية سياسية شاملة ترسخ مسار الديمقراطية وتضمن احترام حقوق الإنسان وسيادة القانون.
-
-
ايران تتدخل لضمان وقف اطلاق النار بلبنان2026-04-11 -
-
-
