بين وضح النهار وظلال الليل… من يسرق الوطن حقًا؟ باسم عارف الشوره

بين وضح النهار وظلال الليل… من يسرق الوطن حقًا؟  باسم عارف الشوره

في وضح النهار، حيث لا مجال للاختباء، يقف البعض من بائعي الخضار والبعض من بائعي الخبز، يساوم ويبيع، وقد يخطئ وقد يطمع، لكن عينه في عين الناس، وخطؤه مكشوف لا يحتاج إلى دليل. قد يغالي هذا، وقد يخطئ ذاك، فنغضب ونعاتب، لكن الأمر يبقى في حدوده الضيقة؛ لقمة عيش، أو جشع عابر، يُرى ويُقوَّم ولا يختبئ خلف ستار.
لكن… ليس كل فساد يُرى.
هناك وجهٌ آخر، أشد قسوة وأخطر أثرًا، لا يقف في الأسواق، ولا يرفع سعر سلعة، بل يعمل بصمتٍ في العتمة…
خفافيش الليل.
أولئك الذين لا يبيعون خضارًا ولا خبزًا، بل يبيعون الضمير،
ولا يرفعون الأسعار، بل يرفعون كلفة الوطن كله،
ينخرون في جسده بهدوء، ويزرعون الشك في نفوس أبنائه دون ضجيج.
والمؤلم أنهم لم يعودوا يختبئون كما في السابق…
بل يخرجون علينا عبر بعض منصات التواصل الاجتماعي،
بأسماء مستعارة، ووجوهٍ مزيفة، وكلماتٍ منمّقة تخفي خلفها سُمًّا بطيئًا،
ينشرون الإشاعة، ويحرّفون الحقيقة، ويشعلون الفتنة،
ثم ينسحبون تاركين خلفهم مجتمعًا متعبًا، وعقولًا مشوشة.
هؤلاء ليسوا طامعين في حفنة مال فحسب،
بل طامعون في إضعاف وطنٍ كامل،
يتاجرون بثقة الناس، يبيعون الوهم، ويشترون العقول،
حتى يصبح الصادق متهمًا، والمخلص موضع شك،
وتتحول الأكاذيب إلى "رأي”، والإشاعات إلى "حقيقة”.
هم لا يسرقون جيب المواطن فقط…
بل يسرقون وعيه،
ولا يرهقون يومه فحسب…
بل يرهقون مستقبله.
إن الأوطان لا تسقط من ضربة واحدة،
بل تتآكل… حين ننشغل بمن نراه، ونغفل عمّن يعمل في الظلال،
حين نحاسب البسيط في السوق، ونصمت عن الخطير خلف الشاشة،
حين نغضب من غلاء رغيف، ولا نغضب ممن يبيع وطنًا بثمنٍ بخس.
فليست المشكلة في من باع الخبز غاليًا…
بل في من باع الوطن رخيصًا.
وهنا تكمن الحقيقة التي لا بد أن تُقال:
إن المعركة اليوم ليست فقط في الأسواق، بل في العقول،
ليست فقط مع الجشع، بل مع التزييف،
ليست فقط مع الفقر، بل مع من يصنع الفوضى ويعيش عليها.
ولهذا… علينا أن ننتبه، أن نُميّز، أن لا نكون صدى لكل صوت، ولا وقودًا لكل فتنة،
وأن ندرك أن أخطر الأعداء…
ليس من يقف أمامك في وضح النهار،
بل من يُخاطبك من خلف شاشة،
باسمك، بلغتك، ومن قلب وطنك…
وهو أول من يطعنه في الظلام.