في كل حربٍ تشتعل، لا تكون الجبهات وحدها مسرحاً للمعارك، بل تمتد خطوط النار إلى الأسواق، حيث يظهر نوعٌ آخر من "المقاتلين”؛ لا يحملون السلاح، بل يحملون ضمائر خفيفة وقلوباً أثقلها الجشع. أولئك هم "تُجّار الحروب” الذين يرون في الأزمات فرصة، وفي وجع الناس موسماً للربح.
حين يضيق الحال بالناس، وتُغلَق الأبواب أمام لقمة العيش، يتحوّل رفع الأسعار إلى طعنةٍ في ظهر المجتمع، لا تقل قسوة عن أزيز الرصاص. فالاحتكار في زمن الشدّة ليس مجرد مخالفة قانونية، بل خيانة أخلاقية تمسّ كرامة الإنسان، وتضرب صميم التكافل الذي يُفترض أن يكون السلاح الأول في وجه الأزمات.
الأردنيون، عبر تاريخهم، لم يكونوا يوماً تجار مآسٍ، بل أهل نخوةٍ وسند. في كل محنة، كانت الأيادي تمتد بالعطاء، لا بالجشع، وكانت الأسواق تضبط نفسها بضمير أهلها قبل رقابة الدولة. وهذا ما يجب أن يبقى، وما يجب أن نُعيد التأكيد عليه اليوم: لا للاحتكار، لا لاستغلال الحاجة، لا لرفع الأسعار على حساب معاناة الناس.
إنّ المسؤولية اليوم مشتركة؛ تبدأ من التاجر الذي يُفترض أن يكون شريكاً في الصمود لا سبباً في الانكسار، وتمرّ بالمواطن الذي عليه أن يُقاطع كل من يتاجر بألمه، ولا تنتهي عند الجهات الرقابية التي يقع على عاتقها فرض القانون بحزمٍ وعدالة.
في زمن الحروب، تُقاس الأوطان ليس فقط بقوة جيوشها، بل بصلابة جبهتها الداخلية. والسوق العادل هو جزءٌ من هذه الجبهة. فمن أراد الربح فليبحث عنه بكرامة، ومن أراد أن يُخلّد اسمه، فليكن في صفّ الناس لا على حسابهم.
لأن الحقيقة التي لا تقبل المساومة: الوطن لا يُحمى بالسلاح وحده… بل بالضمير أيضاً.
-
عدوّ عدوي ليس صديقي… والأردن لا تُخدع بوصلته2026-04-02 -
-
م. عدنان السواعير يكتب البترا التي نريد ؟2026-03-22 -
-
