الأمطار الغزيرة تهدد صنعاء القديمة: انهيار منازل تاريخية واتهامات بالإهمال

الأمطار الغزيرة تهدد صنعاء القديمة: انهيار منازل تاريخية واتهامات بالإهمال

تواجه مدينة صنعاء القديمة، المدرجة على قائمة التراث العالمي، وضعا حرجا نتيجة الأضرار التي لحقت بعشرات المباني والمنازل والأسوار التاريخية جراء الأمطار الغزيرة التي تشهدها المدينة ومناطق يمنية أخرى.

وأفادت مصادر محلية بأن هطول الأمطار الغزيرة تسبب في انهيارات جزئية وتصدعات خطيرة في عدد من المباني التاريخية التي تعتبر من أبرز معالم العمارة اليمنية الفريدة، ويعود تاريخ بعضها إلى مئات السنين، كما غمرت المياه أحياء سكنية ضيقة، ما أدى إلى إضعاف البنية التحتية الهشة أصلا.

وتشتهر صنعاء القديمة بمنازلها البرجية المزخرفة ونوافذها الجصية المميزة، ما يجعلها واحدة من أقدم المدن المأهولة باستمرار في العالم، وهو ما يضاعف من خطورة هذه الأضرار على الإرث الثقافي العالمي.

واشتكى سكان في المدينة القديمة من تجاهل سلطات الحوثيين لنداءاتهم المتكررة، إضافة إلى غياب أي تدخلات عاجلة، سواء عبر تصريف مياه الأمطار أو ترميم المنازل المتضررة، الأمر الذي يفاقم من حجم الكارثة الإنسانية والمعمارية في آن واحد.

وقال حمدي، وهو اسم مستعار لأحد سكان حارة الأبهر وسط المدينة: "المياه دخلت إلى منازلنا بشكل غير مسبوق جراء هطول الأمطار قبل أيام، الجدران بدأت تتشقق وبعض الأسقف سقطت جزئيا، نحن نعيش حالة خوف مستمر، خاصة مع استمرار الطقس السيئ".

وأضاف: "لم نشاهد أي فرق طوارئ أو دعم حقيقي على الأرض رغم خطورة الوضع، الناس تحاول إنقاذ بيوتها بجهود فردية، بعيدا عن أي تدخلات واضحة".

وإلى جانب حمدي، قالت ساكنة في حي النهرين القديم: "هذا البيت ورثناه عن أجدادنا، عمره مئات السنين، اليوم نشاهد أجزاء منه تتآكل أمام أعيننا ولا يوجد أي تحرك من قبل المعنيين بالإنقاذ أو حتى تقييم الأضرار".

مخاوف متصاعدة

وتعكس شهادات هؤلاء المتضررين وغيرهم حجم المعاناة والخسائر التي خلفتها السيول الأخيرة، وسط مخاوف متزايدة من انهيارات وشيكة لمنازل تاريخية أخرى في حال استمرار الأمطار، ويؤكد مهتمون بالتراث المحلي أن مباني صنعاء القديمة تحتاج إلى صيانة دورية، والسيول الحالية كشفت هشاشتها، وإذا استمر الوضع هكذا فسنفقد جزءا كبيرا مما تبقى من هذا الإرث.

وأوضحوا أن سكان أغلب الأحياء والحارات في هذه المدينة باتوا يعيشون هذه الأيام واقعا صعبا، وسط استمرار قساوة الظروف الجوية وغياب المعالجات السريعة التي قد تحد من تفاقم الأضرار.

ويحذر مختصون في الحفاظ على التراث من أن استمرار الأمطار دون اتخاذ إجراءات وقائية قد يؤدي إلى انهيارات أوسع، ما يهدد بفقدان جزء لا يعوض من الهوية التاريخية لمدينة صنعاء، والتي تمثل رمزا حضاريا عريقا لليمن والعالم.

ويؤكد هؤلاء أن المنازل التقليدية في المدينة، رغم صمودها لقرون، تبقى شديدة الحساسية للعوامل المناخية القاسية، خصوصا في حال غياب الصيانة الدورية، وأوضح أحد الخبراء أن استمرار تسرب المياه إلى أساسات المباني قد يؤدي إلى انهيارات تدريجية تبدأ بتشققات صغيرة وتنتهي بسقوط كامل للمنزل.

اتهامات بالإهمال

ومع تزايد الاتهامات الموجهة للحوثيين بالإهمال والتقاعس في التعامل مع الأضرار التي لحقت ولا تزال بالمباني التاريخية في صنعاء القديمة جراء تدفق السيول ومنع وسائل الإعلام الموالية لها والناشطين من التطرق لذلك، تشير مصادر مطلعة إلى استمرار غياب التدخلات الطارئة، الأمر الذي يظهر حالة من اللامبالاة تجاه واحد من أهم مواقع التراث العالمي.

وكشفت المصادر عن جرائم فساد ونهب منظم لمخصصات مالية كانت قد رصدت سابقا لأعمال صيانة وحماية العديد من المباني التاريخية، مؤكدة أن جزءا كبيرا من هذه الأموال لم يوظف في مشاريع حقيقية على الأرض، بل ذهب إلى جيوب قيادات في الجماعة تتولى إدارة شؤون العاصمة، ما ساهم في تفاقم هشاشة البنية المعمارية للمدينة.

وقال أحد المهتمين بالشأن المحلي إن التمويلات الخاصة بصيانة مدينة صنعاء القديمة كان يمكن أن تخفف كثيرا من آثار السيول، لكن سوء الإدارة الحوثية وغياب الشفافية أديا إلى تدهور الوضع الحالي.

وأضاف: إنه في حال استمرار هذا الإهمال فسوف تتعرض المدينة لخسارة جزء كبير من تراثها المعماري، في وقت تتصاعد فيه الدعوات المحلية والدولية لإنقاذ المدينة ومحاسبة المتورطين بالفساد والتقصير في حماية هذا الإرث التاريخي الفريد.

كما يحذر مهندسون معماريون من أن استمرار الإهمال قد يؤدي إلى فقدان خصائص معمارية نادرة تميز صنعاء القديمة، مثل الزخارف الجصية والنوافذ التقليدية التي تمثل جزءا أصيلا من الهوية الثقافية اليمنية.

ياتي ذلك في وقت توقع فيه مركز الارصاد والانذار المبكر اليمني هطول امطار رعدية خلال الايام المقبلة على عدة محافظات يمنية تخضع غالبيتها تحت سيطرة الحوثيين، محذرا من عواصف رعدية وانهيارات صخرية وانزلاقات طينية وجريان السيول أثناء وبعد هطول الامطار.