فرنسا واسرائيل: دبلوماسية باريس في مأزق مع تصاعد التوترات

فرنسا واسرائيل: دبلوماسية باريس في مأزق مع تصاعد التوترات

تواجه الدبلوماسية الفرنسية تحديات كبيرة في كيفية التعامل مع إسرائيل، وذلك منذ الصيف الماضي، حين سعت فرنسا بالتعاون مع المملكة العربية السعودية إلى إعادة إحياء "حل الدولتين" في الأمم المتحدة، وهو ما اعتبرته باريس حلا للنزاع الفلسطيني الإسرائيلي، لكن العلاقات بين باريس وتل أبيب شهدت توترا ملحوظا، حيث عملت إسرائيل جاهدة، مدعومة من الولايات المتحدة، لتعطيل المساعي الفرنسية.

وذكرت مصادر مطلعة أن القمة التي كان مقررا عقدها في يوليو 2025 تأجلت إلى سبتمبر بسبب الحرب التي شنتها إسرائيل والولايات المتحدة على إيران، وزاد الغضب الإسرائيلي تجاه باريس بسبب اعترافها بالدولة الفلسطينية، ونجاحها في حشد دعم دول غربية أخرى، مثل بريطانيا والبرتغال وبلجيكا وأستراليا وكندا، واكثر من 130 دولة في الأمم المتحدة أيدت خطة إقامة الدولة الفلسطينية، ومنذ ذلك الحين، شهدت العلاقة مع إسرائيل تدهورا، حيث وجهت انتقادات للدبلوماسية الفرنسية وللرئيس إيمانويل ماكرون.

وخلال الأشهر الأخيرة، سعت فرنسا إلى ترميم العلاقات مع تل أبيب، وكشفت صحيفة لوموند أن ماكرون حاول الاستعانة بشخصيات لرأب الصدع مع إسرائيل، من بينهم أوفير روبنشتاين، أحد مؤسسي "المنتدى الدولي للسلام"، الذي يتمتع بعلاقات واسعة في إسرائيل.

وبينت مصادر دبلوماسية انه بعد الضجة التي أثارتها إسرائيل بسبب منع شركاتها الدفاعية من المشاركة في معارض عسكرية، سمحت الحكومة الفرنسية لها بالحضور في "معرض الأمن الداخلي" في الخريف الماضي، ودافعت عن مشاركتها في مسابقة "يوروفيجن" الغنائية.

واضافت المصادر انه في البيانات الصادرة عن الخارجية الفرنسية بشأن الانتهاكات الإسرائيلية في غزة والضفة الغربية ولبنان، التزمت باريس بنهج "معتدل"، وتهرب وزير الخارجية جان نويل بارو من الإجابة على سؤال حول ما إذا كان رد فعل إسرائيل العسكري في لبنان "غير متوازن"، وطالب بإقالة فرانشيسكا ألبانيز، المقررة الخاصة للأراضي الفلسطينية.

زيارة بلا نتائج

واوضحت المصادر أن لفرنسا علاقة تاريخية بلبنان، وبعد عودة الحرب بين حزب الله وإسرائيل في مارس الماضي، حرصت باريس على إجراء اتصالات واسعة لاحتواء التصعيد، وطالب الرئيس الفرنسي بارو إسرائيل بعدم استهداف المدنيين والبنى التحتية، لكن إسرائيل لم تستجب للمطالب الفرنسية، ورفضت "الورقة" الفرنسية للتفاوض، وأكدت أن هدفها هو "تدمير حزب الله".

وذكرت تقارير متداولة في باريس أن زيارة بارو لإسرائيل في 20 مارس لم تحقق شيئا، وأن تل أبيب لم تكن متحمسة لهذه الزيارة، وزيارة أليس روفو، الوزيرة المفوضة في وزارة الدفاع، إلى إسرائيل كانت موضع جدل.

هجوم مزدوج

وبينت المصادر أن العلاقات بين الجانبين تدهورت في الأسابيع الأخيرة بسبب الاعتداءات الإسرائيلية على قوة "اليونيفيل" الدولية في جنوب لبنان، ومقتل ثلاثة جنود إندونيسيين، واستهداف الجيش الإسرائيلي وحدة من القوة الفرنسية، وطالبت فرنسا باجتماع طارئ لمجلس الأمن، وتريد تل أبيب ترحيل "اليونيفيل" باعتبارها تعيق تحركاتها.

وفي الأيام الأخيرة، زادت العلاقات الثنائية توترا، بعد إعلان الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب أن فرنسا "لم تسمح للطائرات الأميركية المتجهة إلى إسرائيل بالتحليق فوق أراضيها"، وأعقب ذلك تصريح لوزارة الدفاع الإسرائيلية بإنهاء مشترياتها الدفاعية من فرنسا.

فرنسا ومصالحة الأضداد

وردا على ذلك، أكدت باريس أنها لا تبيع أسلحة لإسرائيل، وأنها لم تغير قواعد تحليق الطائرات الأميركية العسكرية في الأجواء الفرنسية، وأن التسهيلات معطاة لطائرات لا تشارك مباشرة في العمليات الحربية.

وختمت المصادر أن هذه هي حال الدبلوماسية الفرنسية، رغبة في لعب دور في منطقة تعتبرها باريس رئيسة لمصالحها، والتزام سياسة مستقلة، وعدم القطيعة مع إسرائيل، والاكتفاء بالإدانات الرمزية، وعدم فرض عقوبات تجارية واقتصادية على إسرائيل.