هيمنة الشركات الامريكية على الذكاء الاصطناعي: هل من منافسة عربية؟

هيمنة الشركات الامريكية على الذكاء الاصطناعي: هل من منافسة عربية؟

خلف التصريحات الرنانة والمنافسة التسويقية وعناوين الاخبار التي تتحدث عن حرب الذكاء الاصطناعي في وادي السيليكون يتشكل مشهد مختلف كليا وتكشف كواليس الشراكات والاندماجات والتمويلات والاستثمارات عن تلاشي الحدود بين شركات التكنولوجيا الكبرى والشركات الناشئة لتشكل ما يشبه الكيان المترابط.

ويعيد هذا التكتل التقني العابر للحدود صياغة مفهوم الاحتكار محولا المنافسة المفترضة الى منفعة متبادلة تجعل من المستحيل فصل نجاح شركة عن اخرى.

تحالفات تتجاوز المنافسة التقليدية

لسنوات طويلة كانت الشركات الناشئة المحرك لزعزعة استقرار شركات التكنولوجيا الكبرى ولكن يبدو ان الاية قد انقلبت في عصر الذكاء الاصطناعي واصبح اليوم هدف اي شركة ذكاء اصطناعي ناشئة هو استيعابها داخل منظومة احدى شركات التكنولوجيا الكبرى مبتعدة عن المنافسة.

ولم تعد الشراكات في وادي السيليكون مجرد تعاون عابر بل تحولت الى استراتيجية بقاء متبادل مع تحول شركات الذكاء الاصطناعي الناشئة الى ما يشبه المختبرات الخارجية لشركات التكنولوجيا الكبرى.

واوضح مثال على ذلك استثمار شركة مايكروسوفت الامريكية في مواطنتها شركة اوبن ايه اي الذي تحول الى شراكة استراتيجية اعادت توجيه مسار الصناعة نحو التعاون بدلا من التنافس وتطورت هذه الشراكات مع مرور الوقت الى شبكة اكثر تعقيدا حيث اصبحت الشركتان تتبادلان الادوار بين المستثمر والمورد والعميل.

وتحصل شركات الذكاء الاصطناعي الناشئة على مليارات الدولارات من شركات التكنولوجيا الكبرى لكن يعود اغلبها الى شركات التكنولوجيا الكبرى مقابل استخدام السحابة.

ويجري تبادل مليارات الدولارات داخل منظومات تلك الشركات مما يعزز من قوة الكيان الموحد ويجعل الابتكار رهينة لمصالح اصحاب البنية التحتية وخلق هذا التشابك حالة من الاحتكار الجماعي حيث تغيب المنافسة الحقيقية لصالح التكامل مما يجعل دخول منافس جديد امر شبه مستحيل.

وفي هذا السياق يرى مدير مركز الدراسات المستقبلية في جامعة دبي ورئيس جمعية الروبوتات والاتمتة في الامارات سعيد الظاهري ان هذا الترابط يضيق مساحة الابتكار المستقل لكنه لا يقضي عليه حتميا بل يعيد تشكيله من الابتكار الاساسي في النماذج والبنية التحتية الى الابتكار الطبقي في التطبيقات والبيانات المتخصصة وحلول القطاعات.

وفي تحليل اعمق لهذا النموذج المالي يكشف الاستشاري في التحول الرقمي فادي عمروش عن ظاهرة تنظيمية تعرف بالانفاق الدائري ويوضح لـلجزيرة نت ان شركات البنية التحتية السحابية لا تكتفي بالاستثمار في الشركات الناشئة بل تعيد توجيه هذا التمويل اليها عبر التزامات انفاق اجبارية على خدماتها السحابية.

واضاف عمروش نحن امام دورة مغلقة تمويل يدخل الشركة الناشئة ثم يعود سريعا كنفقات تشغيلية لصالح المزود نفسه وهذا يخلق تقييمات مرتفعة ظاهريا لكنه يضعف الاستقلال الاقتصادي الفعلي للشركة الناشئة التي تفقد قدرتها التفاوضية لان الانتقال الى مزود اخر مكلف من الناحيتين التقنية والتعاقدية ما يضعف القدرة التفاوضية للشركة الناشئة.

ويحذر عمروش من ان تزامن التقييمات المرتفعة مع صعوبة الانتقال بين المزودين سيقود في نهاية المطاف الى فقاعة احتكارية.

الالتفاف على قوانين الاحتكار

ومع تشديد الرقابة التنظيمية انتقلت شركات التكنولوجيا الكبرى الى نماذج يصفها عمروش بانها اكثر احتيالية مثل الاستحواذ عبر التوظيف حيث يستقطب الفريق الاساسي والمؤسسين للشركة الناشئة دون شراء الكيان القانوني مع ابرام اتفاقيات ترخيص للملكية الفكرية كما فعلت مايكروسوفت مع انفليكشن ايه اي.

ويعلق استشاري التحول الرقمي على ذلك قائلا ما يحدث هو امتثال قانوني شكلي مع سيطرة اقتصادية فعلية حيث لا تخرق الشركات القوانين ولكنها تعيد تشكيل السوق بطرق تتجاوز سرعة تطور التشريعات التي صممت لصفقات الشراء التقليدية وليس لطرق السيطرة غير المباشرة هذه.

وتحول هذه الطريقة الشركة الناشئة الى هيكل فارغ وتجعل المنافسين المحتملين مجرد اقسام داخل شركات التكنولوجيا الكبرى مما ينهي وجود المنافس فعليا دون الحاجة لموافقة هيئات مكافحة الاحتكار.

وتعيق هذه التكتلات الابتكارات التي قد تهدد ارباح شركات التكنولوجيا الكبرى كما ان هذه المركزية الشديدة قد تبطئ بشكل مصطنع تطوير ذكاء اصطناعي مفيد للبشرية لصالح تطوير ادوات تخدم الربحية المباشرة للشركات الام.

من ناحيته يحذر الظاهري من ان السؤال الجوهري هنا ليس فقط هل توجد شركات ناشئة بل هل تستطيع ان تبقى مستقلة وان تلتقط قيمة اقتصادية عادلة معتبرا ان الجواب يميل نحو التشاؤم في ظل سيطرة اصحاب البنية التحتية.

وتتجاوز خطورة هذا الكيان المترابط الجانب الاقتصادي الى الجانب السياسي والسيادي اذ عندما تصبح البنية التحتية للذكاء الاصطناعي العالمي مركزة في يد عدة شركات امريكية مرتبطة ببعضها فان اي قرار تقني او اخلاقي يتخذ في سياتل او ماونتن فيو يصبح قانونا ساريا على بقية دول العالم.

السيادة الرقمية العربية

وفيما يتعلق بالسيادة الرقمية العربية يرى رئيس المجموعة العالمية للذكاء الاصطناعي جاسم حاجي ان تمركز البنية التحتية لدى منصات عالمية محدودة يؤدي بطبيعة الحال الى درجة معينة من التوحيد على مستوى العالم ولكنه لا يعني بالضرورة فقدان الهوية الرقمية الاقليمية.

وفي تصريح خاص لـلجزيرة نت اكد حاجي ان الدول والمؤسسات في منطقتنا تساهم في تشكيل كيفية استخدام الذكاء الاصطناعي محليا لا سيما من خلال مجموعات البيانات المحلية ونماذج اللغة العربية والتطبيقات الملائمة ثقافيا.

واضاف ان الاولوية الرئيسية للمنطقة العربية تتمثل في تعزيز قدراتها في مجال الذكاء الاصطناعي في مجالات مثل ادارة البيانات وتنمية المواهب وتطوير الذكاء الاصطناعي اقليميا بما يسمح بتكييف التقنيات العالمية لخدمة الاولويات المحلية والاحتياجات المجتمعية.

الا ان الظاهري حذر من جهته من ان التهديد الاكبر في العالم العربي هو دفع الشركات الناشئة قسرا للعب دور المتكامل المحلي عبر بناء واجهات عربية او تخصيصات سطحية فوق نماذج اجنبية.

ويؤكد ان هذا النموذج قد يخلق ايرادات قصيرة المدى لكنه لا يبني سيادة معرفية ولا اصولا تكنولوجية استراتيجية مما يجعل الشركات الناشئة العربية موجودة عدديا فقط بتاثير بنيوي ضعيف اي اننا نكسب نشاط ريادي لكن لا نكسب قدرة ابتكارية مستقلة.

ويتفق الدكتور عمروش مع هذا الطرح مؤكدا ان القيمة الحقيقية للشركات العربية الناشئة لن تاتي من الوصول الى النموذج بل من امتلاك اصول يصعب على المزود العالمي تكرارها مثل البيانات المحلية العالية الجودة والحلول المرتبطة بالسياق التنظيمي واللغوي (اللهجات العربية) والعلاقات المباشرة مع العملاء والتكاملات التي يصعب استبدالها.

التكامل الذكي مع الاستقلال السيادي

في رده على سؤال حول اذا كانت هذه التكتلات تعيق الابتكار الموجه لخدمة مصالح المنطقة العربية تحديدا يوضح حاجي ان الصورة ليست قاتمة كليا وان هذه الضخامة الاستثمارية قد تكون رافعة للابتكار المحلي اذا احسن استغلالها مشيرا الى ان الواقع في العالم العربي يشهد حراكا ايجابيا.

ويقول اننا نشهد تزايدا في تطوير تطبيقات لقطاعات حيوية مثل الخدمات الحكومية الذكية وتحليلات الرعاية الصحية ومعالجة اللغة العربية وتقنيات التعليم والاستدامة لذا قد يكون التعاون بين المنصات العالمية والمبتكرين الاقليميين مفيدا عندما يتيح تطوير حلول مصممة خصيصا للمجتمعات المحلية.

ويخلص حاجي الى ان مستقبل ابتكار الذكاء الاصطناعي يعتمد على بيئة متوازنة يعمل فيها مزودو البنية التحتية العالميون الى جانب المبتكرين الاقليميين والمؤسسات الاكاديمية لضمان دعم تقنيات الذكاء الاصطناعي للتنمية الشاملة والمسؤولة.

ومن جانبه اوضح سعيد الظاهري ان الموازنة بين الحاجة للبنية التحتية العالمية والحفاظ على استقلالية قرار المؤسسات العربية تتطلب نهجا استراتيجيا متعدد الطبقات.

ويرى ان خارطة الطريق تشمل توزيع الخدمات بين مزودين عالميين مختلفين لتقليل الاعتماد وتجنب الاحتكار التقني والاحتفاظ بالبيانات الحساسة والنماذج الاساسية والبنية الحرجة داخل مراكز بيانات وطنية او سحابات سيادية مع استخدام السحابة العالمية للحوسبة المرنة والتوسع.

كما يرى ضرورة تطوير النماذج والخوارزميات وطبقات التطبيقات داخليا او باستخدام نماذج مفتوحة المصدر ووضع سياسات واضحة لملكية البيانات ونقلها ومعالجتها مع متطلبات تنظيمية تمنع احتكار البيانات الاستراتيجية خارج الدولة بالاضافة الى الاستثمار في المواهب والحوسبة المحلية والشركات الناشئة العميقة التقنية لضمان امتلاك المعرفة وليس فقط استهلاك التكنولوجيا.

ختاما نجحت الشركات في تحويل الذكاء الاصطناعي الى كيان مترابط عابر للحدود وخلقت واقعا تبدو فيه المنافسة مجرد واجهة حيث لم تعد الصناعة تتكون من شركات مستقلة تتصارع للفوز برضا المستهلك بل من منظومة متكاملة تسعى للحفاظ على الهيمنة الجماعية.

وبينما تحاول الدول والمنظمون اللحاق بهذا القطار السريع يواصل الكيان الموحد ترسيخ اقدامه في البنية التحتية للحياة اليومية من التعليم والرعاية الصحية الى الدفاع والسياسة.