الجزائر تتصدر إمدادات الغاز وسط تهافت أوروبي ومخاوف عالمية

الجزائر تتصدر إمدادات الغاز وسط تهافت أوروبي ومخاوف عالمية

يشهد سوق الطاقة العالمي حالة من التقلبات الحادة في ظل التوترات الجيوسياسية المتصاعدة التي تؤثر على إمدادات الغاز، وتجد الجزائر، بوصفها قوة إقليمية في إنتاج الغاز، نفسها في موقع محوري مع تزايد الاهتمام الأوروبي بمواردها.

الجزائر وجهة أوروبية لتعزيز إمدادات الغاز

شهدت الجزائر نشاطا دبلوماسيا مكثفا، حيث استقبلت كبار المسؤولين الأوروبيين لبحث سبل تعزيز التعاون في مجال الطاقة، فمن زيارة رئيسة وزراء إيطاليا، جورجيا ميلوني، إلى زيارة وزير خارجية إسبانيا، خوسيه مانويل ألباريس، كان طلب زيادة إمدادات الغاز بندا رئيسيا على جدول الأعمال، وذلك في ظل سعي أوروبا لتنويع مصادر الطاقة وتقليل الاعتماد على مصادر أخرى.

وجاءت هذه التحركات في ظل تصاعد حدة التوترات في منطقة الشرق الأوسط، مما أثار مخاوف بشأن استقرار إمدادات الطاقة العالمية، وارتفاع الأسعار، وتسعى إسبانيا والجزائر لتعزيز شراكتهما الاستراتيجية في قطاع الطاقة، حيث تعتبر الجزائر موردا مستقرا وموثوقا للغاز، وفقا لتصريحات خوسيه مانويل ألباريس، وتجدر الإشارة إلى أن الجزائر تتصدر قائمة موردي الغاز إلى إسبانيا منذ ثلاث سنوات، بفضل خط الأنابيب الذي يربط البلدين مباشرة.

والتقت ميلوني بالرئيس الجزائري، حيث أعلنت عن تعزيز التعاون في مجالات جديدة، مثل استكشاف الغاز الصخري والتنقيب في أعماق البحار، وتمتلك إيطاليا أيضا خط أنابيب غاز مباشر يربطها بالجزائر، وفي ظل ارتفاع أسعار الغاز وتأثر الدول الأوروبية، تسعى هذه الدول لتأمين إمداداتها من الغاز، وتمثل حصة الغاز الجزائري حاليا 12% من إجمالي واردات الاتحاد الأوروبي.

تحديات تواجه القدرة الإنتاجية للجزائر

على الرغم من المرونة التي تتمتع بها الجزائر في إدارة صادراتها من الغاز، إلا أن قدرتها الحالية قد لا تسمح بتعويض النقص الناتج عن توقف الإمدادات من مصادر أخرى، وفقا لخبراء في مجال الطاقة، ويعزى هذا العجز إلى ارتفاع معدلات الاستهلاك المحلي، خاصة في قطاع إنتاج الكهرباء، الذي يستنزف جزءا كبيرا من موارد الغاز الوطنية.

وكتب الصحافي الجزائري المتخصص في شؤون الطاقة، إحسان قاضي، عن التحديات التي تواجه أوروبا نتيجة اضطرابات إمدادات الغاز الطبيعي، موضحا أن هذه هي المرة الثانية خلال أربع سنوات التي تواجه فيها أوروبا هذا الوضع، وبعد اندلاع الحرب في أوكرانيا عام 2022، وأشار إلى أن الزبائن الأوروبيين يسارعون إلى شركة سوناطراك الجزائرية لطلب إمدادات إضافية، إلا أن الجزائر لا تستطيع تقديم سوى مساعدة محدودة بسبب نقص الكميات المتاحة للتصدير.

ويوضح قاضي أن استنزاف حقل حاسي الرمل، أكبر حقل للغاز الطبيعي في أفريقيا، كان معروفا منذ فترة طويلة، وتتواصل الاستثمارات لتعزيز الضغط في الحقل ومنع انخفاض إنتاجه السنوي عن 60 مليار متر مكعب، ويتساءل عن سبب تأخر تطوير المقاطعة الغازية الجديدة في الجنوب الغربي، التي كان من المفترض أن تضخ ما بين 10 و 12 مليار متر مكعب سنويا.

واضاف قاضي ان الزيادة في الاستهلاك المحلي تقارب عتبة الـ 55 مليار متر مكعب المصدرة في عام 2024، وفي يوليو 2025، سجلت شبكة الكهرباء ذروة تاريخية بطلب تجاوز 20 غيغاواط، مما يؤكد أن توليد الطاقة يستهلك حصة كبيرة من الغاز الطبيعي، وأمام معدلات الهدر الطاقوي المرتفعة، يرى قاضي أن كبح الاستهلاك يمثل أكبر حقل غاز نائم يمكن للجزائر استغلاله لزيادة فوائض التصدير.

الجزائر بين القدرات المتاحة والقيود المفروضة

يبقى السؤال المطروح: هل يمكن للجزائر زيادة إمدادات الغاز لشركائها الأوروبيين في المستقبل القريب؟

يجيب وزير الطاقة ومدير سوناطراك سابقا، عبد المجيد عطار، بأن بعض قدرات التصدير غير مستغلة بالكامل، حيث تعمل وحدات تسييل الغاز الطبيعي في الجزائر بنسبة تتراوح بين 50 و 60 بالمائة فقط من طاقتها الإجمالية، وهذا يعني أن الجزائر قادرة على زيادة صادراتها على المدى القصير من خلال تحسين أداء بنيتها التحتية.

وشدد عطار على وجود قيود واضحة، حيث تصل قدرات التصدير الإجمالية إلى مرحلة التشبع نتيجة عدة عوامل، من بينها ارتفاع الاستهلاك المحلي، ونقص الاستثمارات، والحاجة إلى تحديث البنية التحتية، وتنتج الجزائر حاليا مستويات تقترب من أقصى طاقاتها المتاحة، ويرى عطار أن جزءا كبيرا من الغاز المنتج يستهلك محليا أو يستخدم ضمن النظام الطاقوي نفسه، مما يقلص الحجم الموجه للتصدير.

واكد عطار أن الجزائر قادرة على زيادة صادراتها من الغاز بشكل طفيف على المدى القصير من خلال تحسين استغلال المنشآت الحالية، لكن أي زيادة كبيرة ومستدامة تتطلب ضخ استثمارات جديدة، ورفع مستويات الإنتاج، وضمان إدارة أفضل للاستهلاك الداخلي.

استراتيجية الجزائر في قطاع الطاقة

أكد وزير الطاقة الجزائري، محمد عرقاب، أن الجزائر مستمرة في الاستثمار في قطاع الغاز ضمن استراتيجيتها للتنمية المستدامة، وأن التوجه نحو الطاقات البديلة لا يعني الاستغناء عن الغاز الطبيعي، وأشار إلى أن الجزائر ضخت استثمارات كبيرة في استكشاف وإنتاج النفط والغاز، وتطوير البنية التحتية لتعزيز أمن الطاقة وتلبية الطلب العالمي، وضمان استمرارية هذه الاستثمارات يتطلب رؤية واضحة حول تطور الطلب الدولي وفهم دقيق لاحتياجات السوق.

وعقب اندلاع الحرب الروسية في أوكرانيا، استقبلت الجزائر عددا من كبار المسؤولين الأوروبيين لمناقشة سبل تعويض الإمدادات الروسية من الغاز، وخلال عام 2022، زار الجزائر كل من رئيس المجلس الأوروبي شارل ميشال، والمفوضة الأوروبية للطاقة كادري سيمسون، والممثل الأعلى للسياسة الخارجية والأمنية جوزيب بوريل، كما قام الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، ورئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني بزيارات رسمية إلى الجزائر لتعزيز التعاون الثنائي في مجالات الطاقة، والأمن، والاقتصاد.

وترتبط الجزائر بأوروبا عبر خطي أنابيب رئيسيين لنقل الغاز، هما ميدغاز نحو إسبانيا، وترانسميد باتجاه إيطاليا، وتم إغلاق خط جي إم إي الذي كان يمر عبر المغرب نحو إسبانيا في نوفمبر 2021، بعد قرار الجزائر قطع علاقاتها الدبلوماسية مع الرباط.