في مشهد يجسد أثر الصراعات، تحولت قاعة تدريس في إحدى مدارس بيروت إلى ملجأ لعائلات نازحة، حيث يتابع أحمد ملحم درسا مسجلا على جهاز لوحي غير متصل بالإنترنت، وذلك بعد أن حرمت الحرب بين حزب الله وإسرائيل مئات الآلاف من الطلاب من حقهم في التعليم.
وأظهرت إحصائيات منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف) أن الحرب قد وضعت نحو نصف مليون طالب خارج مقاعد الدراسة، وذلك بعد أن تحولت أكثر من 350 مدرسة حكومية إلى مراكز إيواء، فيما أغلقت المدارس الواقعة في المناطق التي تتعرض للقصف أبوابها.
وبينت التقارير أن الحرب اندلعت في الثاني من آذار، إثر إطلاق حزب الله صواريخ باتجاه إسرائيل ردا على مقتل المرشد الإيراني علي خامنئي بضربات إسرائيلية أميركية، لترد إسرائيل بغارات مكثفة في أنحاء لبنان وتوغل بري في الجنوب.
وكشفت السلطات اللبنانية أن الحرب أسفرت عن مقتل أكثر من 1100 شخص، بينهم 122 طفلا على الأقل.
وقال ملحم، البالغ من العمر 17 عاما، في حديث لوكالة فرانس برس: "نحاول بكل الإمكانيات المتاحة مواصلة تعليمنا حتى نحقق ما نريد"، مؤكدا: "لا أريد أن أندم لأنني لم أكمل دراستي رغم الظروف الصعبة".
ويروي ملحم كيف نزح مع عائلته من ضاحية بيروت الجنوبية التي تعرضت لدمار واسع جراء الضربات الإسرائيلية، قائلا: "خاطرنا وذهبنا لإحضار كتب المدرسة بعد أن استقرينا هنا".
ويوضح ملحم أنه يتشارك مع عدد من العائلات صفا دراسيا في مدرسة ليسيه عبد القادر في وسط بيروت، ويفصل بينهم ستار بلاستيكي.
ويشير إلى أن الغرفة وزعت فيها فرشات صغيرة وأغطية للنوم مع مطبخ مشترك، عبارة عن طاولة وموقد صغير رصت حوله أطباق بلاستيكية عليها خضروات وأدوات لتحضير الشاي.
ويصف كيف وضع في الزاوية كتبه وشاشة كمبيوتر، غير أن الاتصال بالإنترنت غير متاح في المدرسة، وهو الطالب الذي يأمل الالتحاق بكلية الهندسة العام المقبل بعد إنهائه المرحلة الثانوية.
واضاف أن مدرسته الخاصة في ضاحية بيروت الجنوبية عاودت التعليم عن بعد بعد أسبوعين من الحرب، بعد إلغاء المواد غير الأساسية وخفض مدة الحصص.
ورغم أن إحدى الجمعيات وفرت خدمة الإنترنت في ساحة المدرسة المكتظة بأطفال يلعبون وكبار يدخنون النرجيلة ويتبادلون الأحاديث، إلا أنه يقول إنه لا يستطيع "التركيز" وسط الضوضاء، ما يدفعه لإعادة حضور الصفوف التي يتم تسجيلها لاحقا في غرفته.
ويتابع الطالب، الذي يتحدث بصوت هادئ: "الحضور في المدرسة أكثر إفادة وتفاعلا، أشتاق إلى العمل الجماعي والمشاريع العلمية التي كنا نقوم بها".
وبحسب تقرير للبنك الدولي، يكلف كل يوم من إغلاق المدارس العامة الاقتصاد اللبناني ثلاثة ملايين دولار.
وفي ساحة ليسيه عبد القادر، تجلس والدة ملحم، أميرة سلامة (41 عاما)، مع شقيقه الأصغر ذي الأعوام الثمانية لمساعدته على متابعة صفوفه عبر الإنترنت، وتقول: "إذا تركته وحده يشرد ولا يستطيع متابعة الصف".
وتؤكد لفرانس برس أن "التعليم هو الأمر الوحيد المتبقي لأولادي" في ظل الحرب.
واعرب رئيس قسم التعليم لدى منظمة يونيسف في لبنان عاطف رفيق عن قلقه إزاء مستقبل "طلاب الشهادات الثانوية تحديدا" الذين يستعدون لدخول الجامعات بينما تستمر الحرب.
وحذر من خطورة الانقطاع عن التعليم خصوصا "للفتيات في سن المراهقة بسبب المخاطر التي قد يتعرضن لها عندما لا يكن في المدرسة مثل الزواج المبكر وأمور مروعة أخرى".
وفي معهد مهني بات مركز إيواء في الدكوانة شمال بيروت، تقضي آية زهران (17 عاما)، النازحة من ضاحية بيروت الجنوبية، نهارها في "تحضير الطعام والعمل في جعل المكان صالحا للعيش".
وتوضح لفرانس برس: "لدينا أنا وإخوتي هاتف واحد نتشاركه" لمتابعة التعليم عن بعد، لكن "الرابط الذي أرسلته لنا المدرسة لا يعمل".
وبين رفيق أن مدرسة زهران واحدة من مئات المدارس الحكومية التي لا تمتلك موارد لمواصلة التعليم عن بعد، ما دفع وزارة التربية بالتعاون مع يونيسف لإطلاق منصة تتضمن دروسا مسجلة تغطي المنهاج الرسمي، يمكن لكل طالب متابعتها بشكل مستقل.
واضاف أن يونيسف أطلقت كذلك مع جمعية "التعليم من أجل لبنان" خطا ساخنا بعنوان "اتصل وتعلم" لتمكين الطلاب من تلقي بعض المواد التعليمية عبر اتصال هاتفي دون حاجة للإنترنت.
ويذكر رفيق: "نحن أيضا بحاجة إلى معلمين متصلين" بالإنترنت، في وقت لا تتوفر بعد بيانات عن عدد المعلمين النازحين أو غير القادرين على مزاولة عملهم.
ويرى أن "هناك فجوة رقمية كبيرة" في لبنان لناحية توافر الأجهزة أو الاتصال بالإنترنت، علاوة على أن "الأطفال والمدارس في الجنوب تضرروا بشكل غير متناسب جراء هذا الصراع وبات الوضع الآن أسوأ بكثير".
واشار إلى أن المنظمة الأممية أعادت "افتتاح 30 مدرسة في الجنوب" كانت تضررت في الحرب السابقة بين إسرائيل وحزب الله.
وفي مدخل المعهد المهني، جلس موظف من وزارة التربية لتسجيل أسماء الأطفال في عمر التعليم حتى تتمكن الوزارة من تقييم الخدمات التعليمية الممكنة لهم، حسبما أفاد فرانس برس.
وتقول نسيمة إسماعيل بينما كانت تسجل أسماء أبنائها: "الوضع صعب جدا هنا.. لا إنترنت هنا ولا حتى أقلام".
وتؤكد السيدة التي نزحت من منطقة البقاع لفرانس برس: "أبنائي متفوقون ولا أريد أن يخسروا تعليمهم كما حدث لنا ونحن أطفال"، مضيفة: "أريد أن يكملوا تعليمهم حتى لو لم يبق معنا شيء وأتمنى لهم أياما أفضل من أيامنا".





