تصاعدت حدة الصراع الداخلي بين قادة جماعة الحوثي في صنعاء ومدن أخرى خاضعة لسيطرتهم على خلفية اتهامات متبادلة بالاستحواذ على أموال مخصصة لأنشطة دينية وميدانية.
وبعيدا عن معاناة الملايين من اليمنيين كشفت مصادر مطلعة أن ما تسمى "هيئة الأوقاف" الحوثية خصصت عبر مكاتبها في صنعاء وريفها والحديدة وذمار وإب نحو 250 مليون ريال يمني لتحشيد السكان لتنفيذ زيارات جماعية إلى مقابر القتلى وتجهيز قوافل لمقاتليهم في الجبهات تنفيذا لتعليمات من زعيم الجماعة.
ووفق مصادر مقربة من دائرة حكم الجماعة في صنعاء بينت أن الخلافات تفجرت بعد الكشف عن شبهات فساد طالت آلية توزيع المخصصات المرصودة لتنظيم الزيارات الجماعية إلى مقابر القتلى وهي فعاليات تحرص الجماعة على تنظيمها لتعزيز التعبئة المعنوية لأنصارها.
واضافت المصادر أن الاتهامات شملت عمليات نهب وسرقة لمبالغ أخرى خصصت لتجهيز قوافل دعم متنوعة للمقاتلين في الجبهات بما في ذلك مواد غذائية ومستلزمات أخرى.
واكدت المصادر أن قيادات حوثية يتصدرها القيادي عبد المجيد الحوثي المعين رئيسا لما تسمى "هيئة الأوقاف" تتهم مسؤولين إداريين في مكاتب تتبع "الهيئة" بالتواطؤ مع مشرفين ميدانيين والقيام بسرقة جزء كبير من المخصصات لمصلحتهم في حين رد الطرف الآخر بشن موجة انتقاد لاذعة متهما قيادة الهيئة الحوثية المستحدثة بالفساد وسوء إدارة موارد الأوقاف في ظل صراع نفوذ متزايد داخل هياكل الجماعة.
سياق أوسع
واتت هذه التطورات في سياق أوسع من التوتر المتصاعد في أوساط الأجنحة الحوثية وسط اتهامات متبادلة ومستمرة بالاستحواذ على مزيد من الموارد والنفوذ ما يعزز المخاوف بشأن تفاقم الفساد وتأثيره على الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية بمناطق سيطرة الجماعة.
ويتزامن ذلك مع ظروف معيشية صعبة يكابدها ملايين اليمنيين وسط تدهور اقتصادي حاد وارتفاع مستمر في أسعار السلع الأساسية إلى جانب تراجع فرص العمل وانقطاع رواتب شريحة واسعة من الموظفين.
ويرى مراقبون أن هذه التحركات تعكس حجم التحديات التي تواجهها الجماعة في الحفاظ على تماسكها التنظيمي في وقت تعتمد فيه بشكل كبير على هذه الأنشطة لتعزيز الولاء والاستمرار في الحشد.
ويعتقد هؤلاء أن هذه الخلافات الأخيرة وما سبقها تشير إلى وجود حالة من التنافس الحوثي الحاد على أهم الموارد ولا سيما في ظل تراجع مصادر التمويل وازدياد الضغوط الاقتصادية ما يفاقم حدة الانقسامات الداخلية داخل أروقة الجماعة.
في غضون ذلك يشير عاملون إغاثيون في صنعاء إلى أن تصاعد الخلافات الحوثية الداخلية واتهامات نهب الأموال المخصصة للأنشطة ذات الطابع التعبوي ياتي في وقت يعاني فيه السكان بمناطق سيطرة الجماعة ضغوطا اقتصادية ومعيشية غير مسبوقة.
ويتهم الناشطون قادة حوثيين يديرون شؤون "هيئة الأوقاف" بمواصلة العبث بالأموال العامة وتوجيهها نحو أنشطة ذات طابع تعبوي وعسكري بدلا من توظيفها في مجالات خدمية أو إنسانية أكثر إلحاحا.
خطر الجوع
على وقع هذه التطورات تؤكد "الأمم المتحدة" أن أكثر من 18 مليون شخص في اليمن معرضون لخطر الجوع خلال العام الحالي في حال عدم توفر التمويلات اللازمة لمنع تفاقم الأزمة الغذائية المنتشرة على نطاق واسع في البلاد.
واوضح مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية "اوتشا" في تقرير له أن الأزمة الغذائية لا تزال عند مستويات مثيرة للقلق حيث يشير أحدث تحليل للتصنيف المرحلي المتكامل لانعدام الأمن الغذائي إلى مزيد من التدهور بما في ذلك انزلاق بعض المناطق من مستوى الأزمة إلى الطوارئ وما فوق.
واكد "اوتشا" وجود نحو 41 ألف يمني يعانون مستويات كارثية ومع استمرار تفاقم انعدام الأمن الغذائي من المتوقع ظهور بؤر إضافية تواجه ظروفا شبيهة بالمجاعة في بعض المجتمعات الأكثر هشاشة داخل البلاد.
وبين التقرير أن أزمة التغذية في اليمن تعد من بين الأسوأ عالميا حيث يحتاج 2.2 مليون طفل دون الخامسة إلى علاج لسوء التغذية الحاد ودون ذلك سيعانون أضرارا جسدية ومعرفية دائمة لا رجعة فيها مما سيؤدي إلى ارتفاع حاد بمعدلات التقزم والوفيات التي يمكن الوقاية منها بينما ستواجه 1.3 مليون امرأة حامل ومرضعة مضاعفات خطيرة تهدد حياتهن مع تفاقم سوء التغذية وتراجع خدمات الصحة الإنجابية.





