تواجه شركات الذكاء الاصطناعي تحديا متزايدا في الحصول على بيانات عالية الجودة لتدريب نماذجها، اذ بدات البيانات المتاحة ذات الجودة المرتفعة تنفد بوتيرة سريعة لا تتناسب مع احتياجات هذه الشركات.
ولمواجهة هذه المشكلة، ظهرت منصات ومتاجر تتيح للشركات شراء البيانات البشرية، سواء كانت أصواتا، مكالمات هاتفية، رسائل نصية، أو حتى صورا، وذلك مقابل مبالغ مالية قد تبدو زهيدة للبعض، لكنها تمثل طوق نجاة لآخرين.
وذكر تقرير نشرته صحيفة "غارديان" البريطانية، انه في بعض الاحيان، يمكن للشركات شراء الهوية الحقيقية الكاملة لشخص ما، بما في ذلك صوته وشكله، لاستخدامها في أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي.
وبينما يبدو الطرفان راضيين في هذه العلاقة التجارية، يجد المستخدم الذي يبيع بياناته للذكاء الاصطناعي نفسه في وضع أشبه بالاستعباد الرقمي، حيث تستغل الشركة كل ما يمكنها شراءه دون قيود حقيقية على استخدامه.
استعباد رقمي جديد
واشار تقرير "غارديان" إلى وجود منصات تعمل كمتاجر لجمع البيانات البشرية وبيعها للشركات، ومن بينها منصة "كليد ايه اي" التي تتخذ من نيويورك مقرا لها، والتي تدفع 14 دولارا مقابل مقاطع فيديو تظهر شخصا وهو يمشي.
وبالنسبة لشخص مثل جاكوبس لو، البالغ من العمر 27 عاما والمقيم في كيب تاون بجنوب أفريقيا، يمثل هذا المبلغ 10 أضعاف الحد الأدنى للأجور في الدولة.
ودفع هذا الامر جاكوبس لو للعمل مع "كليد ايه اي" وغيرها من المنصات المماثلة، رغم ادراكه انه يبيع بياناته ومقاطع الفيديو الخاصة به مقابل مبالغ زهيدة.
ويتكرر الأمر مع ساهيل تيغا، البالغ من العمر 22 عاما في مقاطعة رانشي بالهند، الذي يعتمد بشكل أساسي على بيع الأصوات المحيطة به لمنصة "سايلنكو"، رغم علمه بأنه يمنح المنصة وصولا كاملا للميكروفون في هاتفه.
ولا يقتصر بيع هذه البيانات على سكان الدول النامية فقط، بل يمتد إلى سكان أمريكا وحتى بعض المشاهير، ويشير التقرير إلى راميليو هيل، البالغ من العمر 18 عاما والمقيم في شيكاغو، الذي سمح لمنصة "نيون موبايل" بالوصول إلى مكالماته الهاتفية ورسائله مقابل 200 دولار.
تجارة ضمت المشاهير
وامتدت تجارة بيع الهويات البشرية لشركات الذكاء الاصطناعي لتشمل العديد من مشاهير العالم، وربما كان أبرزهم خابي لام، الذي باع مؤخرا هويته وصوته وشكله إلى شركة "ريتش سباركل" القابضة مقابل 975 مليون دولار، حسب تقرير مجلة "فوربس" الأمريكية.
وتسمح هذه الصفقة لشركة "ريتش سباركل" باستخدام شكل لام وصوته عبر الذكاء الاصطناعي في عملياتها التجارية المختلفة.
ولا تصل قيمة كافة الصفقات في هذا المجال إلى قيمة صفقة خابي لام، اذ اشار تقرير نشرته صحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية إلى سكوت جاكمين، الذي باع هويته بالذكاء الاصطناعي إلى "تيك توك" مقابل 750 دولارا تقريبا.
وكذلك الأمر مع آدم كوي، الممثل المقيم في نيويورك، الذي باع شكله إلى شركة ذكاء اصطناعي مقابل ألف دولار في عام 2024.
الجميع يشعر بالندم
ورغم اختلاف التعويضات المالية والأسباب التي تدفع المستخدمين لبيع هوياتهم إلى الذكاء الاصطناعي، إلا أن العامل المشترك بين معظمهم هو الشعور بالندم.
وتختلف أسباب الشعور بالندم لاحقا، فالبعض يشعر بالإحراج من المحتوى الإعلاني الذي يظهر فيه، مثل كوي الذي ظهر في مقاطع كثيرة كطبيب أمراض نسائية يروج لمجموعة من المنتجات الطبية غير المعروف أصلها.
وكذلك الأمر مع جاكمين، الذي غزت مقاطعه منصة "تيك توك" وهو يروج لمنتجعات سياحية ومنتجات لا يعرف عنها شيئا، إلى جانب مقطع فيديو يظهر جاكمين وهو يدعي إسلامه مؤخرا، رغم أنه لم يعلن هذا عبر حساباته الرسمية في منصات التواصل الاجتماعي.
وياتي هذا الندم رغم التأكيدات والقيود التي تضعها الشركات على نفسها في عقود شراء هذه البيانات، ففي حالة آدم كوي، ذكرت الشركة تحديدا أنها لن تستخدم هويته في الدعاية السياسية أو بيع الكحوليات والسجائر أو المحتوى الإباحي، مع تأكيد بأن هذه الرخصة تنتهي خلال عام، وهو الأمر الذي لم يحدث بالطبع.
الحاجة تغلب الخصوصية
واكد جاكوبس لو في حديثه مع صحيفة "غارديان" أنه مدرك للمقايضات المتعلقة بالخصوصية، فضلا عن كون دخله من هذا الأمر غير منتظم ولا يكفي نفقاته الشهرية الكاملة، لكنه يقول إنه مستعد للقبول بكل هذه المساوئ مقابل الحصول على دخل ثابت بالدولار.
واضاف قائلا: "بصفتي جنوب أفريقي، فإن الحصول على راتب بالدولار الأمريكي أكثر قيمة مما يعتقده الناس".
ومن جانبها، ترى جينيفر كينغ، باحثة في مجال خصوصية البيانات في معهد ستانفورد للذكاء الاصطناعي المتمحور حول الإنسان، أن هذه المنصات ليست واضحة فيما يتعلق بكيف وماذا تفعل بالبيانات التي تشتريها.
واضافت في حديثها مع الصحيفة البريطانية أن هذه المنصات لا تتفاوض مع المستخدمين أو تخبرهم بحقوقهم، وبالتالي يقعون في خطر إعادة استخدام بياناتهم بطرق قد لا يحبونها أو يتوقعونها.
واتفق إنريكو بوناديو، أستاذ القانون في جامعة سيتي سانت جورج في لندن مع وجهة النظر هذه، مشيرا إلى أن سياسات استخدام هذه المنصات تتيح لها ولعملائها استخدام هذه البيانات في أي شيء تقريبا إلى الأبد دون أي مقابل مادي إضافي ودون أي سبيل واقعي للمساهم للاعتراض أو إعادة التفاوض.
لذلك فان مارك غراهام، أستاذ جغرافية الإنترنت في جامعة أكسفورد ومؤلف كتاب "تغذية الآلة" يرى أن الشركات الكبرى هي الفائز الوحيد من هذه السياسة، مؤكدا أن "الشركات في الشمال العالمي هي التي تستحوذ على كل القيمة الدائمة".
-
-
تحديث "سيري" المدعوم بجيميناي قد يصل في مارس2026-03-24 -
هل يقتل الشحن السريع بطارية الهاتف في صمت؟2026-03-24 -
-
الألعاب الإلكترونية ليست كلها ضارة، لكن!2026-03-24
