أقلامٌ موتورة تهاجم الوطن من الخارج من يضع لها حدًّا؟

أقلامٌ موتورة تهاجم الوطن من الخارج من يضع لها حدًّا؟
ثمة أقلامٌ لا تقيم في الوطن، لكنها تتحدث عنه كما لو أنها تقف في قلب شوارعه، وتعرف تفاصيله أكثر من أهله.
كل صباح منشور جديد يبدأ بالجملة نفسها:
"يُقال "
"يتداول الحديث "
"ترد معلومات "
جملٌ بلا قائل، وبلا شاهد، وبلا مسؤولية. كلماتٌ تُلقى في الفضاء، ثم يُطلب من الناس أن يتعاملوا معها على أنها حقائق.
والمفارقة أن هذه الأقلام لا ترى نفسها إلا في صورة الحارس الأمين.
تكتب كل يوم عن غيرتها على الوطن، ثم تمضي بقية السطور في التشكيك بمؤسساته، والطعن برجالاته، وكأن الدفاع عن البلد لا يتم إلا عبر مهاجمته.
إنها معادلة مدهشة:
الهجوم يُسمّى حرصًا،
والظنون تُسمّى معلومات،
والاتهام يُقدَّم في ثوب النصيحة.
غير أن الحقيقة أبسط من كل هذا الكلام.
فبعض هذه الكتابات لا تتوقف عند حدود النقد، بل تمضي أبعد من ذلك، حتى تصبح إساءة صريحة إلى الوطن نفسه.
لا تكتب عن البلد لتفهمه أو تنصفه، بل تكتب عنه لتصنع صورة مشوّهة لمؤسساته، وكأن الهدف ليس إصلاح الخلل، بل تثبيت الانطباع بأن كل شيء فيه مختل.
والأعجب أن هذه العصفورة الرقمية لا تتعب من التغريد.
تغرد كل يوم عن الفساد في الجامعات، وعن خللٍ في التعليم، وعن قصصٍ تُنسج من عباراتٍ تبدأ دائمًا بـ"يُقال".
فتتحول الجامعات، في روايتها اليومية، إلى ساحات ظنون، ويغدو التعليم مادةً سهلة للحكايات.
ولا يقف الأمر عند حدود التعليم؛ فالإساءة تمتد أحيانًا إلى مؤسساتٍ تُعنى بفئةٍ أساسية من المجتمع، مثل وزارة الشباب، التي تعمل على تمكين الشباب وفتح المسارات أمامهم للمشاركة والبناء.
فالطعن المتكرر في هذه المؤسسة لا يعني مجرد انتقاد جهةٍ حكومية، بل يمسّ الجهود التي تُبذل لخدمة الشباب، ويطال شريحة واسعة من المجتمع.
كما تمتد هذه الكتابات إلى المؤسسات الرياضية الوطنية، وعلى رأسها اللجنة الأولمبية، وإلى هيئاتٍ شبابية رائدة مثل هيئة أجيال السلام، التي تمثل نموذجًا أردنيًا يعمل على مستوى العالم في تعزيز قيم السلام والحوار من خلال الرياضة والشباب.
إن التقليل من شأن هذه المؤسسات أو التشكيك في دورها لا يسيء إلى مؤسسة بعينها، بل يطال صورة الوطن الذي استطاع أن يقدم نماذج ناجحة ومؤثرة على المستوى الدولي.
لكن السؤال الذي لا تطرحه هذه الأقلام على نفسها بسيط:
من المستفيد من هذا المشهد الذي يُرسم كل يوم؟
ومن يخدم تكرار صورةٍ قاتمة عن مؤسسات التعليم، وعن الجامعات، وعن المؤسسات المعنية بالشباب والرياضة في هذا البلد؟
إن الإساءة إلى سمعة الجامعات ليست نقدًا للتعليم، بل طعنٌ في صورة الوطن نفسه.
وكذلك الحال حين تُقدَّم المؤسسات المعنية بالشباب والرياضة في صورةٍ مشوّهة؛ فهذه المؤسسات تمثل مساحاتٍ للعمل الوطني، ومجالاتٍ لبناء طاقات الشباب وتوجيهها.
الوطن ليس دفترًا مفتوحًا لتجارب الأقلام الموتورة، ولا ساحةً للكتابة بلا ميزان.
فالحرص الحقيقي على البلد لا يكون بتكديس الظنون، بل بتحري الحقيقة.
ومن يقرأ هذه المنشورات يدرك سريعًا أن ما يبدأ بـ"يُقال" لا ينتهي غالبًا إلا إلى كلامٍ يشبهه.
أما الحقيقة، فهي أقل كلامًا بكثير، لكنها أكثر بقاءً من كل منشورٍ عابر.
ولهذا، فإن ما يجري لم يعد مجرد اختلاف في الرأي، بل تحوّل إلى حملةٍ مستمرة للإساءة إلى مؤسسات الوطن وتشويه صورته.
ومن هنا يصبح من واجب الحكومة أن تضع حدًّا لهذه المهزلة التي تُبثّ من وراء الحدود، وأن تتعامل معها بما يفرضه القانون من مسؤولية ومساءلة.
فالوطن ليس ساحةً مفتوحة لكل من أراد أن يطلق الكلام بلا حساب.
ومن يختار أن يهاجم البلد ومؤسساته من الخارج، فمكانه الطبيعي أن يعود إلى الوطن ليواجه الحقيقة والقانون، لا أن يبقى مختبئًا خلف شاشةٍ بعيدة.