باسم عارف الشوره
في زمنٍ تتشابك فيه المصالح، وتعلو فيه الأصوات أكثر مما تعلو فيه الحقائق، يصبح الانتماء امتحاناً حقيقياً لا شعاراً يُرفع عند الحاجة ويُخفض عند الغضب. وفي لحظات التحوّل الكبرى، حين تضطرب المنطقة وتشتدّ الرياح من كل اتجاه، لا يكون السؤال: ماذا قدّم الوطن لنا؟ بل ماذا قدّمنا نحن حين احتاج إلينا؟
الأردن لم يكن يوماً خياراً احتياطياً في دفتر الحسابات، ولا منصةً لتفريغ الانفعالات العابرة. هو دولة تشكّلت بالصبر، وترسّخت بالمؤسسات، وحافظت على توازنها في محيطٍ لم يعرف التوازن. وبينما انهارت خرائط، وتبدّلت أنظمة، وبات الاستقرار عملة نادرة، بقي هذا الوطن واقفاً لأنه اختار العقل نهجاً، والقانون مرجعية، والاعتدال سياسة.
لا أحد فوق النقد، ولا سياسة بلا مراجعة. لكن النقد الذي يتحول إلى هدم، والاختلاف الذي ينقلب إلى تشكيك في أساس الدولة، ليس شجاعة بل تهوّر. الجرأة لا تكون في الصراخ، بل في تحمّل مسؤولية الكلمة. والدولة ليست خصماً سياسياً نختلف معه في موسمٍ ونصافحه في آخر؛ الدولة إطار وجودنا جميعاً، وإذا اهتز الإطار سقطت الصورة بكل من فيها.
المؤلم أن البعض يتعامل مع الهوية وكأنها بطاقة تُستخدم عند الضرورة وتُخفى عند الحرج. يرفع اسم الوطن حين تضيق به السبل، ثم يضعه جانباً حين يختلف مع قرار أو موقف. هكذا تُختزل الأوطان في مزاج، وتتحوّل القضايا الكبرى إلى مادة للترند والاصطفاف اللحظي. لكن الحقيقة التي لا تقبل التأويل أن الوطن ليس مساحة تجريب، ولا ساحة لتصفية الحسابات.
في هذه المرحلة الدقيقة، يحتاج الأردن إلى وعيٍ أكثر من حاجته إلى ضجيج، وإلى مسؤوليةٍ أكثر من حاجته إلى استعراض. المنطقة تعيش على حافة الاحتمالات، والكلمات لم تعد بريئة كما كانت. كل عبارة محسوبة، وكل موقف يُقرأ خارج الحدود قبل أن يُناقش داخلها. ومن هنا، فإن حماية صورة الدولة وسمعتها ليست ترفاً وطنياً، بل واجباً أخلاقياً.
الأردن لم يدّعِ الكمال، لكنه لم يتخلَّ عن ثوابته. واجه أزمات اقتصادية وضغوطاً سياسية، واحتوى ارتدادات إقليمية ثقيلة، ومع ذلك حافظ على استقراره ومؤسساته. هذا الاستقرار ليس شعاراً، بل ثمرة تضحيات طويلة ووعيٍ جمعي أدرك أن البديل عن الدولة ليس مثالاً مثالياً، بل فوضى لا ترحم.
الأردن أولاً… لأن بقاء الدولة هو شرط بقاء الاختلاف نفسه. أولاً… لأن الاستقرار ليس تفصيلاً يمكن المقامرة به. أولاً… لأن الوطن إن تراجع خطوة، فلن ينجو أحد من ارتدادها. ومن بعده الصمت، صمت المزايدات، وصمت الاستعراض، وصمت كل خطاب ينسى أن البيت الذي نختلف داخله هو ذاته الذي يحمينا جميعاً.
سيبقى الأردن وطناً لمن يفهم أن حبّه لا يُقاس بعلو الصوت، بل بصدق الموقف. وسيبقى أقوى من كل موجة غضب عابرة، لأنه بُني على فكرة الدولة لا على انفعال اللحظة. أما الذين يخلطون بين الحرية والفوضى، وبين النقد والهدم، فسيكتشفون أن الأوطان لا تُختبر بالصراخ، بل تُصان بالصبر والمسؤولية.
الأردن أولاً… ومن بعده الصمت.
-
الأردن مش محطة عبور… ومش بطاقة موسمية2026-03-03 -
-
هنا الأردن… حيث تنكسر العواصف2026-02-28 -
-
