باسم عارف الشوره
مع كل شروق رمضان، تتكرر المشاهد نفسها: موائد عامرة، أطباق متكدسة، ووجوه مألوفة تحضر كل عام لنفس الولائم. ضحكات عالية، كلام متداول، صور تُنشر على الشبكات الاجتماعية، لكن في الجهة الأخرى من الوطن، هناك بيوت تُطفئ أنوارها مبكرًا، أطفال جائعون، وأمهات يحاولن إخفاء دموعهن خلف دعاء مكتوم.
إن ولائم رمضان إذا لم تشمل المحتاج، فهي مجرد عرض اجتماعي بلا روح، مظهرٌ فارغ من المعنى الحقيقي للكرم. فالمائدة التي تُملأ لمن يشبعون أصلاً، والأموال التي تُصرف على أشياء تتجاوز الحاجة، لا تعيد شيئًا للضمير ولا تخفف معاناة أحد. بينما مائدة تصل خيرها إلى بيت فقير، لها أثرٌ أبدي، ويظل صداها في الدعاء والطمأنينة، أكثر قيمة من أي صورة أو مدح اجتماعي.
الفجوة بين المظاهر وبين الواقع تتسع كل عام: أطنان من الطعام تُستهلك، نصفها يُلقى في النفايات، بينما هناك من لا يجد رغيفًا ليُشبع به جوعه. الكرم الحقيقي لا يُقاس بما يُنفق على القادرين، بل بما يُقدَّم لمن لا يملك، وما يُصلح بيتًا أو يخفف وجعًا أو يحفظ كرامة إنسان.
إن رمضان فرصة سنوية لإعادة ترتيب القيم: من ولائم الاستعراض إلى موائد التكافل، من دعوات البروتوكول إلى مبادرات العطاء الحقيقي، من الصور المؤقتة إلى أثر يبقى في البيوت والقلوب. توجيه جزء من تكاليف الولائم إلى الأسر المحتاجة ليس تقشفًا، بل تصحيحٌ للبوصلة، وفعلٌ إنساني يبعث البركة في المال والزمان والقلوب.
فلنجعل رمضان هذا العام نقطة تحوّل:
أقل من البذخ… وأكثر من الرحمة.
أقل من المظاهر… وأكثر من الانتماء.
أقل من الأصناف… وأكثر من الأثر الذي يبقى في البيوت، في القلوب، وفي دعاء من لا يجدون ما يسد جوعهم.
هنا فقط يُولد رمضان الحقيقي… حيث تصبح المائدة جسراً لا حواجز، والعطاء حياة لا مجرد عادة.
-
الأردن ليس فقير… لكن المواطن يزداد فقرا2026-02-19 -
-
-
-
