قيل لي إن إبستين ينتمي للاستخبارات، وطُلب مني تركه- ألكسندر أكوستا، المدّعي العام السابق لولاية فلوريدا.
بعد أكثر من عامين من الإبادة في غزة، لم يعد مفاجئًا لي، وأنا أتابع ملفات إبستين، أن تضمّ هذه الملفات نخبةً من السياسيين في الغرب؛ فهؤلاء الساسة، كما بات معلومًا، أوغاد قتلة، تتحكّم بهم الصهيونية وتديرهم وفق مصالحها.
ومن البديهي أن تشمل قائمة إبستين ممثلين ومخرجين ومغنّين؛ فالصعود في هوليوود لا يتحقّق إلا بثمن يُدفع من الجسد والروح. هكذا يعمل منطق تلك المنظومة: كيف تنجح فنانة وتُقصى أخرى؟ ولماذا تتحوّل إحداهن إلى أيقونة جمال رغم دمامتها، أو تُسوَّق أخرى بوصفها صاحبة أعذب صوت وصوتها نشاز؟ من يتحكّم بهوليوود هم الصهاينة وشياطين المال والنفوذ؛ يرفعون من يشاؤون إلى الضوء ويطمسون من يشاؤون، بلا أدنى صلة بالموهبة أو الاستحقاق.
غير أن الصدمة الحقيقية كانت حين تبيّن لي أن نخبة من كبار أساتذة الجامعات والعلماء كانوا من زبائن الجاسوس إبستين، وفي مقدّمتهم عالم اللغويات الشهير نعوم تشومسكي، أحد أبرز مفكري العالم. فقد اعترف بأنه التقى إبستين بعد إدانته الأولى عام 2008، وأقام في شقق فاخرة يملكها، مبرّرًا تلك اللقاءات بأنها كانت فكرية ونقاشية، وبأنه لم يكن على علمٍ بجميع أنشطته. إلا أن الوثائق تفنّد هذا الادعاء وتقول عكسه تمامًا، إذ يبدو الرجل متورّطًا حتى أخمص قدميه.
لطالما تابعتُ مقالات وكتب نعوم تشومسكي، وكثيرًا ما استشهدتُ بأفكاره؛ فهو يتخذ موقفًا نقديًا صارمًا من الرأسمالية والسوق الحر، ويرفض تحويل التعليم والصحة إلى سلع، ويعتبر الإعلام جزءًا لا يتجزأ من منظومة السلطة. كما يهاجم السياسة الخارجية الأمريكية، وينتقد الانقلابات وحروب الوكالة ونظام العقوبات، ويدافع عن حقوق الشعب الفلسطيني، ويصنّف الكيان بوصفه دولة فصل عنصري، منتقدًا في الوقت نفسه الدعم الأمريكي غير المشروط له. ويُوصَف داخل الولايات المتحدة، في سياقٍ اتهامي، بأنه اشتراكي فوضوي. وبعد كل ذلك، أليس من الطبيعي أن يتحوّل هذا الرجل إلى رمزٍ فكريٍّ مُتابَع في العالم العربي وفي أوساط شعوب العالم الحرّة كافة؟
لكن منذ أن جرى تداول اسم تشومسكي ضمن ملفات إبستين، بدأتُ أنظر إليه من زاوية مختلفة؛ إذ قد يكون، في نهاية المطاف، جزءًا من المنظومة السياسية الأمريكية نفسها، تلك التي تسمح بوجود معارضة وتعدّد في الأفكار، لكنها معارضة مُفرغة الأثر، لا تُفضي إلى تغيير حقيقي، بل تُستَخدم لتوفير غطاءٍ زائف لمفاهيم الحرية وحرية التعبير والرأي الآخر التي تروّج لها الإمبراطورية. وهي مفاهيم أخذ زيفها ينكشف اليوم بوضوح، في ظل منظومة تحكمها الصهيونية، وتتقاطع فيها مصالح النخب الحاكمة مع مصالح الصهاينة.
للأسف، نسيتُ أن الصهيونية تتحكّم في جامعات الولايات المتحدة. قبل سنوات قرأتُ كتابًا مهمًا للغاية، ونشرتُ تلخيصًا له في صحيفة الدستور الغرّاء، وكان عنوانه: «كيف حكمت الصهيونية الولايات المتحدة». يتناول الكتاب كيف تغلغل الصهاينة في بنية الدولة الأمريكية عبر السيطرة على الجامعات والقضاء، ويُضاف إلى ذلك، بطبيعة الحال، النفوذ في الاقتصاد والإعلام. وقد أثبت طوفان الأقصى صحة هذه الصورة بجلاء؛ إذ نشاهد إدارات الجامعات تسمح للشرطة بالدخول إلى الحرم الجامعي و«تطهيره» بحسب تعبيرهم من الطلبة المتظاهرين السلميين الرافضين للإبادة الجارية في غزة.
قرأتُ مرةً في إحدى مقالات تشومسكي عبارةً توقفتُ عندها طويلًا، حين قال: «لفهم السلطة عليك أن تتبع المال». وقد أثبتت هذه العبارة صحتها؛ فالرجل نفسه جزء من السلطة السياسية التي يدّعي السعي إلى تفكيكها، إذ يتقاضى مئات الآلاف من الدولارات من الجامعات المرموقة التي يُدرّس فيها، فضلًا عن ملايين أخرى من عائدات كتبه ومحاضراته، ناهيك عن أجنحة الفنادق الفاخرة التي كان يُغطي تكاليفها إبستين.
ثم راجعتُ مواقفه من فلسطين، فوجدته معارضًا لحركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات (BDS)، في وقتٍ تُرتكب فيه الإبادة في غزة، كما أنه لا يزال يدعم حلّ الدولتين بعد أكثر من عشرين عامًا من قيام الكيان بدفن هذه الفكرة عمليًا. وهنا، لا بدّ من التوقف وطرح سؤالٍ جوهري على أنفسنا: هل هو حقًا جاد في أفكاره ومواقفه بشأن فلسطين، أم أنها ليست سوى وسيلة أخرى للتكسب؟
لم أعد أعرف، بعد اليوم، إن كنت سأشتري كتابًا لتشومسكي، ولا إن كنت قادرًا على قراءة كتبه الممتعة من دون أن تنفصل عن ذهني صور ارتباطه بفضائح الاعتداءات الجنسية على الأطفال المرتبطة بإبستين. حتمًا، ستُدرج كتبه من الآن فصاعدًا في رفّ «إبستين» داخل المكتبات.
-
مأساة عصر الشاشة!2026-02-11 -
-
التعليم العالي تُبلي حسنًا2026-02-10 -
مع اقتراب شهر رمضان2026-02-09 -
