قراءة في خطاب العرش السامي – الدورة العادية الثالثة لمجلس الأمة العشرين

قراءة في خطاب العرش السامي – الدورة العادية الثالثة لمجلس الأمة العشرين

الوظيفة العامة ليست حصانة… حين يضع الملك سيادة القانون فوق النفوذ والمنصب

من هيبة الدولة إلى كرامة المواطن… كيف تتحول التوجيهات الملكية إلى قانون يُطبّق على الجميع ومساءلة لا تستثني أحداً؟

لم تكن كلمات جلالة الملك عبدالله الثاني في خطاب العرش السامي، خلال افتتاح الدورة العادية الثالثة لمجلس الأمة العشرين، بشأن الوظيفة العامة وسيادة القانون مجرد توجيه إداري، بل حملت رسالة وطنية تتصل بهيبة الدولة وثقة المواطن بمؤسساتها. فعندما يؤكد جلالته أنه «لا مكان في بلدنا وبيننا لمن يظن أن الوظيفة العامة هي تشريف يرفّعه عن العمل أو خدمة الناس»، وأنه «لا حصانة لمن يسيء استخدام منصبه أياً كان»، ويقرر أن «القانون لا يعرف اسماً، ولا منصباً، ولا نفوذاً»، فإنه يحدد بوضوح أن الوظيفة أمانة لا امتياز، والمنصب تكليف لا وجاهة، والسلطة مسؤولية لا حصانة. وهذه الرسالة لا تخاطب الموظف وحده، بل كل من يتولى صلاحية عامة، أياً كان موقعه، وتضع الجميع أمام واجب احترام القانون والخضوع للمساءلة.

فالوظيفة العامة ليست ملكاً لمن يشغلها، وإنما مسؤولية غايتها خدمة المواطن، وحماية حقوقه، وصون المال العام، وإنجاز المعاملات بعدالة وكفاءة. ومن أخطر ما يضعف الثقة بالدولة أن يشعر المواطن بأن الوصول إلى حقه يحتاج إلى واسطة، أو أن الحصول على فرصة وظيفية يتطلب معرفة صاحب قرار، أو أن التعيين والترقية والتكليف بالمواقع القيادية تحكمها العلاقات والنفوذ بدلاً من الكفاءة والاستحقاق. فهذه الممارسات، متى وقعت، تضرب تكافؤ الفرص، وتحبط الكفاءات، وتضعف الانتماء.

المواطن لا يطلب امتيازاً من الدولة، بل يطلب ألا يتحول نفوذ الآخرين إلى عائق أمام حصوله على حقه.

وقد أكد الدستور الأردني، في المادتين السادسة والثانية والعشرين، مبادئ المساواة وتكافؤ الفرص، وربط التعيين في الوظائف العامة بالكفايات والمؤهلات. لذلك، يجب أن تكون معايير التعيين والترقية والتقييم والتكليف القيادي واضحة وشفافة وقابلة للمراجعة. فالمواطن صاحب حق، والموظف مؤتمن على خدمته، لا صاحب فضل عليه.

ولا تقل إساءة استخدام المنصب خطورة عن الواسطة والمحسوبية؛ فهي تشمل تعطيل مصالح المواطنين، والتدخل غير المشروع في التعيينات والترقيات والعطاءات والمشتريات، وتسخير إمكانات المؤسسات لخدمة مصالح خاصة، أو إخفاء حالات تضارب المصالح. كما لا يجوز أن تتوقف المساءلة عند الموظف الذي نفّذ القرار، إذا أثبتت الوقائع مسؤولية من أصدره أو وجّهه أو تدخّل في تمريره. فالمحاسبة يجب أن تحدد مسؤولية كل طرف وفق دوره وصلاحياته والأدلة والإجراءات القانونية، دون انتقائية أو استثناء. ولا ينبغي أن يوفر المنصب أو النفوذ حماية من التحقيق أو المساءلة؛ فالقانون الذي يُطبّق على الموظف يجب أن يُطبّق بالمعيار ذاته على المسؤول. إن صيانة هيبة الدولة تبدأ حين لا يكون لأحد حق في تجاوز القانون.

ومن هنا تبرز مسؤولية مؤسسات الرقابة والنزاهة، وفي مقدمتها هيئة النزاهة ومكافحة الفساد، وديوان المحاسبة، وهيئة الخدمة والإدارة العامة، كلٌّ ضمن اختصاصه القانوني. والمطلوب ليس تكاثر التقارير واللجان، بل رقابة تكشف الخلل، وتحدد المسؤوليات، وتتابع معالجة المخالفات، وتحيل ما يستوجب الإحالة إلى الجهات المختصة، وتتابع النتائج، وتعمل على تصويب القرارات واسترداد الأموال العامة حيث تثبت المسؤولية والاستحقاق. كما يجب حماية الموظف الذي يرفض مخالفة القانون، وصون المبلّغين عن التجاوزات من الضغط والانتقام. وفي المقابل، لا تعني المساءلة تعطيل الإدارة أو تخويف المسؤول النزيه؛ بل تقتضي التمييز بين الخطأ غير المقصود، والتقصير، والمخالفة، واستغلال السلطة. فالموظف الذي يعمل بحسن نية وضمن صلاحياته يستحق الحماية، ومن يثبت تجاوزه يتحمل مسؤوليته.

لكن التوجيه الملكي لن يحقق غايته ما لم يتحول إلى برنامج حكومي معلن، بإجراءات محددة، وجهات مسؤولة، ومواعيد زمنية، ومؤشرات أداء، ونتائج قابلة للقياس. وعلى الحكومة مراجعة إجراءات التعيين والترقية والتكليف القيادي، وإعلان معايير الاختيار، وربط تقييم المسؤولين والموظفين بالإنجاز وجودة الخدمات، لا بعدد الاجتماعات والكتب واللجان. كما يتعين تعزيز الرقابة على العطاءات وتضارب المصالح، ونشر مؤشرات دورية عن الشكاوى ونتائج معالجتها، ومساءلة من يتسبب في هدر المال العام أو تعطيل حقوق المواطنين. وعلى مجلس الأمة متابعة التنفيذ وممارسة دوره الرقابي والتشريعي. والمطلوب إجابات واضحة: ماذا تغيّر؟ وما الذي عولج؟ ومن يتحمل المسؤولية عند الإخفاق؟

الإصلاح لا يُقاس بما يُعلن، بل بما يلمسه المواطن من عدالة وكفاءة وشفافية.

إن هيبة الدولة لا تُقاس بعلو المناصب أو اتساع الصلاحيات، بل بقدرة القانون على حماية حقوق الناس ومحاسبة كل من يتجاوز حدوده. ولا تُصان الدولة بحماية المسؤول من المساءلة، وإنما بحماية المواطن من التعسف واستغلال النفوذ.

لقد وضع جلالة الملك قاعدة واضحة: لا اسم فوق القانون، ولا منصب خارج المساءلة، ولا نفوذ يمنح صاحبه حصانة. ويبقى الامتحان الحقيقي في تحويل هذا التوجيه إلى ممارسة يلمسها المواطن في التعيين العادل، والخدمة دون واسطة، والقرار الخاضع للمحاسبة. فالمواطن لا يريد أن يسمع أن الوظيفة العامة خدمة، بل يريد أن يراها خدمة، ولا يريد أن يسمع أن القانون يسري على الجميع، بل أن يشاهد تطبيقه دون استثناء. فالمنصب لا يصنع قيمة صاحبه، والسلطة لا تمنحه حصانة؛ بل تضع على عاتقه مسؤولية أكبر.

فالوظيفة العامة لا تمنح صاحبها سلطة فوق القانون، بل تجعله أول من يجب أن يخضع له.