هل تساهم مناهجنا في صناعة التطرف؟!

هل تساهم مناهجنا في صناعة التطرف؟!

جريمة الاعتداء الإرهابي على كنيسة القديس جاورجيوس في بلدة حمود بالكرك ليست مجرد جريمة جنائية تستهدف مواطنين ومكاناً للعبادة، بل هي جرس إنذار يستدعي مراجعة أعمق للبيئة الفكرية والتربوية والثقافية التي يمكن أن ينمو فيها التطرف، وللقدرة التي يمتلكها المجتمع على حماية تنوعه وصون نسيجه الوطني.

لكن ما يستحق التوقف عنده أيضاً هو ما أعقب الجريمة من سجالات تجاوز بعضها إدانة الفعل الإجرامي ومساءلة مرتكبيه، إلى محاولة توظيف المأساة في تصفية حسابات سياسية مع تيارات واتجاهات فكرية واجتماعية، وصولاً إلى وضع الدين الإسلامي ذاته في قفص الاتهام، وكأن جريمة ارتكبها أصحاب فكر تكفيري تمنح الحق بإدانة دين بأكمله أو تحميل مكون اجتماعي وسياسي مسؤوليتها.

إن رفض الإرهاب لا يحتمل المساومة، لكنه كذلك لا يبرر التعميم أو الانتقام الفكري والسياسي.

فالمسؤولية الجنائية فردية، والمسؤولية الفكرية تُناقش بعمق وتأنّي وبالأدلة والبراهين، ولا يجوز التعميم بتحويل جريمة محددة إلى محاكمة جماعية لملايين الناس أو لمعتقداتهم وانتماءاتهم.

ومن هنا تبرز أهمية السؤال التربوي الذي ينبغي ألا يغيب عن مؤسساتنا التعليمية: ماذا نريد من مناهجنا أن تصنع؟ هل نريد متعلماً يحفظ المعلومات ويجتاز الامتحانات، أم مواطناً يمتلك التفكير النقدي ويحترم الاختلاف ويدرك أن التنوع الديني والثقافي والفكري ليس تهديداً للهوية الوطنية بل إثراءً لها؟
إن المناهج ليست مجرد محتوى معرفي، بل هي أيضاً أداة لصناعة الوعي والانتماء.

والخطر لا يكمن في تعليم الدين أو التاريخ أو الهوية، وإنما في أي خطاب تعليمي أو اجتماعي يحوّل الاختلاف إلى خصومة والانتماء إلى أداة إقصاء والاعتقاد إلى مبرر لاحتقار الآخر أو الاعتداء عليه.

وفي المقابل فإن مواجهة التطرف لا تكون بتجريم التدين أو إقصاء التيارات السياسية والفكرية لمجرد اختلافنا معها، ولا بتقديم العلمانية أو التدين باعتبار أحدهما نقيضاً حتمياً للآخر، بل بإرساء معيار واضح يحكم الجميع كاحترام الإنسان وحرية الاعتقاد والتعبير وسيادة القانون وترسيخ دولة المؤسسات وتعزيزها، ورفض العنف والتحريض والكراهية، بعد تعريف ذلك بوضوح وشفافية حتى لا تتداخل المفاهيم وتصبح ذريعة للقمع وتكميم الأفواه وتقييد الحريات.

لقد كشفت مأساة حمود أن حماية الكنائس والمساجد لا تبدأ عند أبوابها، وإنما تبدأ من المدرسة والبيت والمنبر والإعلام، ومن خطاب سياسي مسؤول لا يبحث عن خصوم جدد ولا يتاجر بمعاناة الناس وحزنهم وبدماء الشهداء.

لسنا بحاجة إلى مناهج تصنع مواطنين متشابهين في أفكارهم، بل إلى مناهج تصنع مواطنين متساوين في حقوقهم، مختلفين في قناعاتهم متفقين على وطنهم.

فالمجتمع الذي يعجز عن تعليم أبنائه احترام الاختلاف، قد يجد نفسه يوماً عاجزاً عن حمايتهم من كراهية بعضهم بعضاً.