الذكاء الاصطناعي في الدول العربية بين وهم السيادة وواقع التبعية التقنية

الذكاء الاصطناعي في الدول العربية بين وهم السيادة وواقع التبعية التقنية

فجوة السيادة الرقمية في العالم العربي

تتجاوز قضية السيادة في مجال الذكاء الاصطناعي مجرد الشعارات الرنانة والخطابات الرسمية التي تطلقها الدول لتعكس طموحاتها التقنية. ففي الواقع العملي تتوقف القدرة على امتلاك التكنولوجيا على امتلاك الموارد الأساسية التي تشغل هذه المنظومات وتضمن استمراريتها. وتكشف المعطيات الحالية أن الفجوة بين الطموح والقدرة الفعلية لا تزال هي التحدي الأبرز أمام الدول العربية التي لا تزال تعتمد في أجزاء حيوية من بنيتها التقنية على سلاسل توريد وقدرات خارجية.

واكد الدكتور محمد حمدي الخبير الدولي في الامن السيبراني بالمنظمة العربية لتكنولوجيات الاتصال والمعلومات ان المنطقة العربية تعاني من تفاوت كبير في بناء منظومة مستقلة للذكاء الاصطناعي. واضاف ان الدول التي قطعت اشواطا في الاستثمار مثل السعودية وقطر والامارات ومصر تواجه تحديات تتعلق بامتلاك البنية التحتية الصلبة والحوسبة والموارد البشرية المتخصصة. وبين ان الحضور العربي في انتاج المكونات الاساسية للبنية التحتية التقنية لا يزال شبه منعدم وهو ما يجعل الاستقلال التكنولوجي هدفا بعيد المنال دون تكامل حقيقي بين الدول العربية.

تحديات البنية التحتية والمهارات

وتعتبر تونس نموذجا للدول التي تمتلك كفاءات علمية واعدة لكنها تفتقر الى منظومة وطنية متكاملة تضمن استغلال هذه الطاقات. واوضح الدكتور بلال الجاموسي نائب مدير مكتب تقييس الاتصالات في الاتحاد الدولي للاتصالات ان تحويل القدرات البشرية الى حلول وطنية يتطلب استراتيجيات رفيعة المستوى تدعمها بنية تحتية قوية من مراكز بيانات وطاقة ومهارات تقنية تبدأ من مراحل التعليم المبكرة.

واشار الجاموسي الى ان بناء مراكز الحوسبة يتطلب استثمارات بمليارات الدولارات مما يجعل بناء نموذج مستقل لكل دولة عربية امرا بالغ الصعوبة. واقترح ان يكون التكتل الاقليمي هو الطريق الاكثر واقعية لبناء قدرات مشتركة في الحوسبة والنماذج التقنية بدلا من التنافس الفردي الذي قد يؤدي الى هدر الموارد.

البيانات وسيادة القرار

ولا تقتصر السيادة على الحوسبة فحسب بل تمتد لتشمل البيانات والقوانين الحاكمة لها. وكشفت الدكتورة منى نبيل ضميدي نائبة رئيس الجامعة العربية الامريكية للذكاء الاصطناعي ان غياب الاطر التشريعية القوية لحماية البيانات يترك السيادة العربية منقوصة. واوضحت ان الدول العربية بحاجة ماسة الى قوانين تحمي خصوصية البيانات وتحدد المسؤوليات القانونية عند استخدام النماذج العالمية.

وتابعت ان مفهوم سفارة البيانات قد يكون حلا مؤقتا للدول التي تفتقر الى بيئة قانونية كافية لحماية معلوماتها الحساسة. واكدت ان السيادة الحقيقية تتطلب ثلاثة شروط مجتمعة وهي وجود بنية وطنية للبيانات وتشريعات صارمة للحماية ووضع خطوط حمراء لاستخدام النماذج الاجنبية. وختمت بان التكامل العربي الذي يجمع بين طاقة الخليج وخبرات الشمال الافريقي قد يكون السبيل الوحيد لامتلاك مفاتيح التحكم في الذكاء الاصطناعي بدلا من البقاء في دائرة التبعية التقنية.