ازمة لقاحات الاطفال في امريكا.. حينما يطغى القرار السياسي على الدليل العلمي

ازمة لقاحات الاطفال في امريكا.. حينما يطغى القرار السياسي على الدليل العلمي

فجوة بين السياسة والطب

يبرز فرق جوهري بين حق السياسي في انتقاد سياسة صحية معينة، وبين اتخاذه قرارات مباشرة حول المواد التي تُحقن في اجساد ملايين الاطفال. كشفت الاحداث الاخيرة ان المشكلة الخطيرة تكمن في استبدال الحدس الشخصي للقيادات السياسية بالادلة العلمية الراسخة. واظهرت التوجهات الاخيرة تقديم الشكوك القديمة في قالب علمي جديد ومضلل.

واصدر الرئيس الامريكي دونالد ترمب امرا تنفيذيا تحت مسمى تقديم توصيات المعيار الذهبي للقاحات الاطفال. واضاف ان هذا القرار يمهد لتغييرات هيكلية في بروتوكولات التلقيح الامريكية، بما في ذلك تقليص قائمة اللقاحات الروتينية والدعوة لفصل لقاح الحصبة والنكاف والحصبة الالمانية الى جرعات منفردة، وهو ما يعني تحويل الحقنتين المعتادتين الى ست حقن منفصلة.

واكد الخبراء ان السؤال الجوهري الذي يغيب عن هذا التوجه هو البحث عن الدليل العلمي الجديد الذي يبرر تغيير ممارسة طبية راسخة. وبين ترمب في تصريحاته ان موقفه مبني على ما يشعر به تجاه سلامة اللقاحات، مقرا في الوقت ذاته بغياب الدليل القاطع على ادعاءاته، مما يضع الصحة العامة في مهب الريح.

اسطورة ارهاق الجهاز المناعي

وتنتشر فكرة مغلوطة تزعم ان اعطاء عدة لقاحات في وقت واحد يرهق الجهاز المناعي للطفل. واوضحت منظمة الصحة العالمية ان الجهاز المناعي للاطفال يتعرض يوميا لآلاف المستضدات من البيئة المحيطة، وان اللقاحات لا تشكل عبئا اضافيا يذكر. وشددت الدراسات المنشورة في دوريات علمية مرموقة مثل جاما على سلامة اعطاء اللقاحات المركبة، مؤكدة عدم وجود اي رابط بينها وبين امراض غير مستهدفة.

جدلية التوحد واللقاحات

واثيرت مجددا الخرافة القديمة حول علاقة لقاح الحصبة بمرض التوحد، وهي فرضية تم دحضها عبر عقود من البحث العلمي. واظهرت دراسة دانماركية واسعة شملت اكثر من 650 الف طفل خلو اللقاح من اي مخاطر مرتبطة بالتوحد. واكدت مراجعات كوكرين التي شملت بيانات اكثر من مليون طفل نفس النتيجة. وبدلا من الاحتكام للعلم، لوحظ تحول في الخطاب الرسمي لبعض الهيئات الصحية الامريكية ليتماشى مع التوجهات السياسية الجديدة، مما يثير تساؤلات حول استقلالية المؤسسات العلمية.

تداعيات ازمة الثقة

ويأتي هذا الجدل في وقت تشهد فيه الولايات المتحدة اسوأ تفشٍ للحصبة منذ ثلاثة عقود، مع انخفاض معدلات التلقيح عن المستويات الامنة. واضافت استطلاعات الرأي ان الثقة في التوصيات الصحية الفيدرالية تراجعت بشكل ملحوظ بين مختلف الاطياف السياسية. وبين المحللون ان محاولات استعادة الثقة من خلال تغيير اعضاء اللجان العلمية وفرض سياسات غير مستندة الى ادلة قد تؤدي الى نتائج عكسية تماما.

واخيرا، يظل العلم منهجا لا يدار بالاوامر التنفيذية او المشاعر الشخصية. واكد المتابعون ان الهدم الممنهج للثقة في الادلة العلمية يضع مستقبل الصحة العامة في خطر، حيث يدفع الاطفال وحدهم ضريبة الصراعات السياسية التي تتجاهل الحقائق المثبتة.