مريول ساكب .. بين المبادرة والمسؤولية

مريول ساكب .. بين المبادرة والمسؤولية

لم يكن الجدل الذي أُثير حول مبادرة "كاللؤلؤ المكنون" مجرد نقاش حول الزي المدرسي؛ فقد اتسعت دائرته لتلامس قضايا أعمق، تتصل بالقيم المجتمعية، ومسؤولية المؤسسات التربوية، وحدود المبادرات الفردية، والعلاقة التي ينبغي أن تقوم بين حيوية المجتمع ومرجعية الدولة.

ومن هنا، فإن الإنصاف يقتضي تناول المسألة بعقلانية تليق بحساسيتها، بعيداً عن التسرع في إصدار الأحكام، أو الانسياق وراء التأويلات، أو تحويل مبادرة مجتمعية إلى ساحة للاستقطاب.

فالاحتشام قيمة دينية واجتماعية راسخة في المجتمع الأردني، ومن الطبيعي أن تحرص الأسر والمؤسسات التربوية على ترسيخها لدى الأبناء والبنات، في إطار من القناعة والوعي والاحترام. والمبادرات التي تنطلق من قيم المجتمع لا يجوز أن تُدان لمجرد اختلاف الآراء حولها، كما لا يصح أن تُحمَّل دلالات سياسية أو أيديولوجية من دون دليل. فالأصل أن تُقرأ المبادرات المجتمعية في ضوء أهدافها المعلنة، ووسائلها الفعلية، وطريقة تنفيذها، لا في ضوء الظنون أو الأحكام المسبقة.

غير أن سلامة المقصد، على أهميتها، لا تُغني عن سلامة الوسيلة، كما أن وجاهة الهدف لا تمنح أي مبادرة حصانة من المراجعة. فالمدرسة الحكومية مؤسسة وطنية ذات رسالة تربوية واضحة، تعمل وفق أنظمة وتعليمات ومرجعيات رسمية تنظم شؤونها، بما في ذلك ما يتصل بالزي المدرسي.

ومن ثم، فإن أي مبادرة تتناول هذا الجانب ينبغي أن تراعي التعليمات المعتمدة، وأن تتم بالتنسيق مع الجهات المختصة، وألا تتحول الرغبة في تحقيق هدف اجتماعي، مهما كان نبيلاً، إلى مسوغ لفرض متطلبات لم تقررها المرجعية الرسمية.

وهنا تتحدد المسألة في جوهرها: ليس المطلوب المفاضلة بين القيم والنظام، بل ضمان انسجام القيم مع النظام، والمبادرة مع المسؤولية. فالاحتشام واحترام التعليمات ليسا نقيضين، كما أن الالتزام بالمرجعية الرسمية لا يعني التضييق على المبادرات المجتمعية أو الانتقاص من دورها. إنما تكمن الحكمة في أن يجد كل منهما مكانه الصحيح؛ فتُصان القيم من الابتذال والاستغلال، وتُصان المؤسسات من الاجتهادات التي قد تتجاوز اختصاصاتها أو تثير التباساً كان بالإمكان تفاديه.

ومن هذا المنطلق، يكتسب التنسيق المسبق أهمية تتجاوز كونه إجراءً إدارياً؛ فهو ضمانة لسلامة التنفيذ، ووضوح المسؤوليات، وحماية المبادرات من سوء الفهم.

وكان من شأن توضيح أهداف المبادرة وآلياتها، والتشاور مع الجهات التربوية المختصة قبل إطلاقها، أن يضعها منذ البداية في إطار مؤسسي واضح، ويحد من الجدل الذي قد ينشأ حين تسبق الممارسةُ الإجراءاتِ الناظمة لها. فالمبادرة الناجحة ليست تلك التي تكتفي بنبل غايتها، بل تلك التي تحسن اختيار وسائلها، وتدرك حدود مسؤوليتها، وتضمن أن يكون أثرها الإيجابي منسجمًا مع الأنظمة وحقوق المعنيين بها.

ولا يقل عن ذلك أهمية التمييز بين قيمة المبادرة والإجراءات الإدارية المرتبطة بها. فمسائل الموافقات والتنسيق وحماية خصوصية الطالبات عند التصوير والنشر ليست تفاصيل هامشية، بل جوانب أصيلة من المسؤولية التربوية والإدارية. وهي، في ذاتها، لا تثبت رفض المبادرة أو قبولها، وإنما ينبغي تقييمها في ضوء الوقائع والتعليمات ذات الصلة.

وفي المقابل، فإن الإدارة الرشيدة لا تكتفي باتخاذ الإجراء، بل تحرص، حين تقتضي الحاجة، على توضيح أسبابه ومرتكزاته؛ لأن وضوح القرار يعزز الثقة، ويحد من الالتباس، ويمنح الجميع فرصة لفهم المسألة بعيداً عن التأويل.

وإذا ثارت تساؤلات حول إجراء معين، فإن الطريق الأجدى ليس التسرع في الإدانة أو الدفاع، بل الرجوع إلى الوقائع، والتحقق من المعلومات، والاستماع إلى الأطراف المعنية، وتوضيح ما يحتاج إلى توضيح عبر القنوات المختصة.

فحين تتعدد الروايات، لا تكون كثرة التداول دليلاً على صحة إحداها، ولا يكون ارتفاع نبرة الجدل بديلاً عن الدليل. والإنصاف يقتضي أن تظل الأحكام بقدر ما تسمح به الحقائق، وأن تُصان كرامة جميع الأطراف، وألا تتحول الاختلافات الإدارية إلى خصومات شخصية أو اتهامات لا تستند إلى بينة.

أما الحديث عن خلفيات سياسية أو فكرية محتملة، فينبغي أن يظل محكوماً بمعايير الموضوعية والإثبات. فالتوافق مع قيمة دينية أو اجتماعية لا يثبت وحده انتماء المبادرة إلى تيار سياسي، مثلما أن حسن النية لا يعفي أي نشاط من الالتزام بالتعليمات.

وهنا يظهر جوهر الإنصاف: ألا نحاكم النوايا بلا دليل، وألا نعفي الممارسات من المساءلة لمجرد أن أهدافها المعلنة تحظى بالقبول. فالمعيار العادل واحد، لا يتغير بتغير الأشخاص أو المواقف؛ وهو احترام الأنظمة، وصون الحقوق، وتحقيق المصلحة التربوية.

ولا يجوز أن يغيب عن هذا النقاش أن تداول الوقائع لا يعني بالضرورة اكتمال صورتها، وأن شيوع رواية ما لا يمنحها صفة الحقيقة. فكثيراً ما يُنتزع الحدث من سياقه، وتُحمَّل تفاصيله ما لا تحتمل، ثم تتسع دائرة الجدل على حساب الوقائع ذاتها.

ومن هنا، فإن المسؤولية تقتضي التثبت قبل الحكم، والتمييز بين النقد المسؤول والتجريح، وبين التساؤل المشروع والاتهام المتعجل؛ فالقضايا التي تمس المجتمع ومؤسساته لا تُنصفها الانفعالات، وإنما ينصفها وضوح الحقائق، ودقة التقدير، والعدل في الحكم على الأشخاص والمواقف.

إن قوة الدولة ومؤسساتها لا تتعارض مع حيوية المجتمع وتمسكه بقيمه؛ بل إن العلاقة بينهما تبلغ أفضل صورها حين تتكامل الأدوار، وتتضح الصلاحيات، وتُحترم الأنظمة، وتُعالج الاختلافات بالحوار والشفافية.

فالمؤسسات الواثقة بمرجعيتها لا تخشى النقاش المسؤول، والمجتمع الواعي بقيمه لا يرى في الالتزام بالتعليمات انتقاصًا من أصالته.

وبين الأمرين تتجلى المسؤولية الوطنية في أسمى صورها: مبادرات مجتمعية فاعلة، وإدارة مؤسسية رشيدة، وحقوق مصونة، وثقة متبادلة لا تهزها الاختلافات العابرة.

ولذلك، فإن المخرج من الجدل حول «مريول ساكب» ليس في الانتصار لطرف على حساب آخر، ولا في تضخيم القضية حتى تصبح اختبارًا للولاءات والانتماءات، بل في إعادتها إلى إطارها التربوي والمؤسسي الصحيح: تُقدَّر المبادرات بقدر ما تحققه من أهداف مشروعة، وتُراجع وسائل تنفيذها وفق التعليمات المعتمدة، وتُعالج الملاحظات عبر القنوات المختصة، وتُصان حقوق الطالبات وخصوصيتهن، وتُبنى المواقف على الوقائع لا على الظنون.

فالقيم النبيلة لا تفقد مكانتها حين تنتظم في إطار القانون، والمبادرات الصادقة لا تنتقص من قيمتها حين تخضع للمراجعة، ومؤسسات الدولة لا تترسخ هيبتها بمجرد الاحتكام إلى صلاحياتها، بل أيضًا بوضوح إجراءاتها وعدالة تطبيقها. وحين يجتمع نبل المقصد مع سلامة الوسيلة، وصدق المبادرة مع احترام المرجعية، يصبح الاختلاف فرصة لتعزيز الثقة، لا مدخلًا لتقويضها.

وتلك هي المعادلة التي تستحق أن تحكم هذا النقاش: قيمٌ تُصان، وحقوقٌ تُحترم، وأنظمةٌ يُلتزم بها، ومؤسساتٌ تُقدَّر، ومجتمعٌ يختلف برقي، ويتفق بمسؤولية، ويجعل من المصلحة الوطنية ميزانًا لمواقفه وأحكامه.