الخوف من الذكاء الاصطناعي

الخوف من الذكاء الاصطناعي

ضحكت حين قرأت أن بشرا خافوا حين ابتكر الإنسان السكك الحديدية من أن تقذف القطارات أرحام النساء خارج أجسادهن! وأن الهاتف يجذب الأرواح الشريرة ويدخلها في تلافيف الدماغ، والتلفزيون يصيب الناس بالعمى ووصفوه بصندوق السحرة. وضحكت أكثر وقت عرفت أن الرئيس الأميركي بنجامين هاريسون كان يخشى لمس مفاتيح الكهرباء في البيت الأبيض، حتى إن عائلته استعانت بغيرها لإشعال الأنوار وإطفائها.

تبدو مخاوفهم اليوم طريفة إلى حد يجعلنا نشفق عليهم قليلا؛ فنحن الآن أبناء الطيارات والقطارات والصواريخ والهواتف والمصابيح، ونعرف أن الأرحام بقيت في أماكنها، والأرواح الشريرة، إن كانت موجودة، وجدت على الأرجح أسلاكا أخرى تمارس هواياتها.

لكن التاريخ يحب مثل تلك النهفات والمقالب. ما إن ننتهي من الضحك على أجدادنا وخوفهم حتى يفرد لنا المسرح أذرعه ويقول: تفضلوا، جاء دوركم. وها نحن نجلس اليوم أمام الذكاء الاصطناعي، نحمل القلق القديم نفسه بأسماء جديدة: ماذا سيفعل بأعمالنا، وخصوصيتنا، وفنوننا، وذاكرتنا، وطريقة تفكيرنا؟ وهل يأتي يوم يصبح فيه أقدر منا على أشياء خبأناها طويلا في الخزانة الخاصة للإنسان: الكتابة والرسم والتحليل والاختيار والوعي؟

للبشر طقس غريب مع اختراعاتهم. خافوا المطبعة لأنها ستفسد الكتب والعقائد وتهدد الكتبة والخطاطين أو أنها رجس من عمل الشيطان، لكنها حملت المعرفة إلى ملايين العيون. ارتابوا من الكهرباء والقطار والهاتف والتلفزيون، ثم أدخلوها جميعا بيوتهم، وبعضها إلى أسرّتهم. كأننا نصنع الشيء بأيدينا، ثم نفزع منه، ثم نقترب ونلمسه بإصبع مرتجفة، وبعد سنوات ندمنه، ونغضب إذا انقطعت الكهرباء خمس دقائق أو ابتعد الهاتف عنا مقدار ذراع.

فهل الذكاء الاصطناعي حفيد آخر لتلك العائلة المخيفة؟ ربما، لكن في وجهه هذه المرة ملمح يجعل الطمأنينة أصعب. اختراعات كثيرة ضاعفت قوة عضلاتنا وحواسنا؛ القطار أطال خطوة القدم، والهاتف مد صوتنا عبر القارات، والمطبعة منحت اليد آلاف النسخ. أما هذه الآلة فتطرق باب الغرفة التي ظننا أن مفتاحها معنا وحدنا: العقل. إنها تكتب وترسم وتحلل وتقترح، وتتعلم من آثارنا، وقد تجيب عن سؤال قبل أن نقرر نحن لماذا سألناه.

لهذا لا أحب حفلة الهلع، ولا أطمئن كثيرا إلى حفلة التصفيق. الذين خافوا القطار أخطأوا في حكاية الرحم، لكن حدسهم التقط شيئا حقيقيا: السرعة ستغير العالم. والذين اتهموا الهاتف بالأرواح بالغوا في خيالهم، لكن الهاتف غيّر المسافة والخصوصية والعلاقات. لكل تقنية عظيمة جيبان؛ واحد للهدايا وآخر للفواتير، ومشكلتنا أننا نفتش الأول بشغف، فيما يصلنا حساب الثاني بعد أن نكون قد اعتدنا الهدية.

قد يجلس أحفادنا بعد عقود، يقرأون مخاوفنا من الذكاء الاصطناعي ويضحكون علينا كما نضحك اليوم على أرحام القطارات وأرواح الهاتف. أتخيل أحدهم يهز رأسه ساخرا من سذاجتنا، وأتمنى أن يكون سبب ضحكته أننا خفنا كثيرا. ما يقلقني أن يضحك لسبب آخر.