قمر الحصادين يضيء سماء برقش.. حـكاية مــن ذاكـــرة الأرض والـسـماء

قمر الحصادين يضيء سماء برقش.. حـكاية مــن ذاكـــرة الأرض والـسـماء

تحت سماء غابات برقش، يستعيد «قمر الحصادين» مساء امس السبت، حكاية قديمة ارتبطت بالأرض والمواسم الزراعية، في أمسية تراثية وفلكية تجمع المهتمين بالطبيعة والبيئة والتصوير، وتعيد إلى الذاكرة علاقة الإنسان القديمة بالقمر ومواسم الحصاد.

وتستضيف غابات برقش في لواء الكورة فعالية خاصة لرصد قمر الحصادين، بتنظيم جمعية التنمية للإنسان والبيئة الأردنية، وتحت رعاية متصرف لواء الكورة السيد عمر الحديد، بحسب الدعوة الخاصة بالفعالية، وبحضور رئيس الجمعية الدكتور أحمد محمود الشريد وعدد من المهتمين بالطبيعة والتراث والبيئة.

وتقام الأمسية في استراحة أكواخ برقش الخشبية، في أجواء تجمع بين رصد القمر والاستمتاع بالطبيعة واستحضار الموروث الشعبي المرتبط بمواسم الحصاد، مع تخصيص مكان للنساء وفق ما ورد في الدعوة.

ويحمل «قمر الحصادين» تسمية ارتبطت تاريخيًا بالبدر القريب من موعد الاعتدال الخريفي، حيث كان ظهوره في هذا التوقيت يمنح المزارعين في الماضي ضوءًا طبيعيًا إضافيًا بعد غروب الشمس، يساعدهم على مواصلة أعمال الحصاد خلال ساعات المساء، في زمن لم تكن فيه الإضاءة الحديثة متاحة كما هي اليوم.

ولا تختلف طبيعة القمر في هذه المناسبة عن أي بدر آخر، إلا أن توقيت ظهوره بالقرب من الاعتدال الخريفي جعل له مكانة خاصة في الذاكرة الزراعية، وأصبح اسمه مرتبطًا بموسم الحصاد وما يحمله من دلالات مرتبطة بالأرض والمزارع والموسم.

ويأتي قمر الحصادين هذا العام بعد أيام قليلة من الاعتدال الخريفي، حيث يكتمل البدر في سماء الأردن مساء السبت، فيما يبدأ ظهوره من جهة الأفق الشرقي بالتزامن تقريبًا مع ساعات الغروب، قبل أن يرتفع تدريجيًا في السماء.

وتمنح لحظة شروق القمر فرصة لهواة التصوير لالتقاطه إلى جانب الأشجار والجبال والمعالم الطبيعية، وهو ما يضيف إلى المشهد الفلكي بعدًا بصريًا خاصًا، ولا سيما في منطقة مثل برقش التي تتميز بغطائها الحرجي وطبيعتها الخضراء.

وتعيد الأمسية في الوقت ذاته إحياء جانب من الموروث الشعبي المرتبط بالقمر ومواسم الزراعة، بعدما كان المزارع يعتمد على حركة الشمس والقمر وتغير الفصول في تنظيم كثير من أعماله اليومية والزراعية.

وسبق أن شهدت غابات برقش أمسيات مماثلة لإحياء قمر الحصادين، حيث وثقت وكالة الأنباء الأردنية «بترا» عام 2023 إقامة أمسية تراثية لرصد القمر، بمشاركة عشاق الطبيعة والبيئة والتراث وهواة التصوير وممثلين عن المجتمع المحلي والجمعيات الأهلية.

وتأتي إقامة هذه الفعالية في برقش ضمن اهتمام الجمعية بالأنشطة البيئية والتراثية التي تربط المجتمع بالطبيعة، وتحول المواقع الطبيعية إلى مساحات للقاء والتعلم والتعرف على الموروث المحلي.

كما تفتح مثل هذه الفعاليات المجال أمام تعريف الزوار بجمال غابات برقش، وربط النشاط الثقافي والبيئي بالمكان، من خلال فعالية بسيطة تقوم على متابعة ظاهرة فلكية واستعادة قصة ارتبطت بها في حياة الأجيال السابقة.

وبين أشجار برقش وضوء البدر، تستعيد الأمسية صورة من زمن كانت فيه السماء جزءًا من حياة الإنسان اليومية، وكان القمر أكثر من مجرد جرم سماوي؛ إذ ارتبط بالعمل والمواسم والرحلات والحصاد، وبقيت حكايته حاضرة في الذاكرة الشعبية حتى اليوم.

وهكذا يعود «قمر الحصادين» إلى سماء الأردن، لا كظاهرة فلكية فحسب، وإنما كحكاية تحمل في تفاصيلها علاقة قديمة بين الإنسان والأرض والسماء، تستعيدها برقش في أمسية تجمع الطبيعة بالتراث والفلك.