الجاهة ليست منصة تمكين للمرأة

الجاهة ليست منصة تمكين للمرأة

في ظل الحديث عن ظاهرة ترؤس المرأة للجاهات العشائرية،

تتعالى الأصوات. وأول هذه الأصوات صوتي الذي ينادي بأن مهما بلغت المرأة من العلم، ومهما تبوأت من مناصب وظيفية عليا، فإن لها مكانتها ودورها الذي لا يمكن أن تتناسى فيه كونها امرأة، وأن هناك حدوداً تقف عندها ومجتمعاً له قيمه وأعرافه التي لا يجوز المساس بها

منذ عرفنا "الجاهة" في الأردن وهي عنوان للرجولة والحكمة وللوجه الذي يُحفظ ويُصان.
الجاهة ليست زيارة مجاملة ولا وفد علاقات عامة

الجاهة هي "وجه عشيرة على وجه عشيرة" تذهب لتحفظ الدماء وتصلح ذات البين، وتكفل الحقوق.
فإذا اختلّت هيبة الوجه ضاع الصلح قبل أن يبدأ.

العرف ميزان.. والميزان لا يُكسر
قامت العشائر على أعراف متوارثة وكبير الجاهة في عرفنا هو "الكفيل" و"الحشيم" و"الملزم".
كلمة واحدة منه توقف الدم، وكلمة واحدة منه تكفل الحق.
هذه المسؤولية ارتبطت عبر مئات السنين بالرجل كبير السن وكبير المقام لأن العرف حمّله "التبعات" قبل أن يمنحه "الشرف"

فإذا قبلنا أن تكون امرأة في هذا المكان فنحن لا نكرمها ولا هي تزيد من كرامتها بل نضعها في موقع لا يستطيع العرف أن يحميها فيه ولا أن يُلزمها بما يُلزم الرجل.

وصوناً للمرأة لا انتقاصاً منها
مقام المرأة في مجتمعنا وديننا مصان. لها حرمتها ومجلسها ومكانتها التي لا ينكرها أحد.
فكيف نزج بها وتزج بنفسها في مجلس رجال فيه شد وجذب وعتاب، وربما تهديد مبطن أحياناً

أي تكريم هذا الذي نعرضها فيه لكلام قد لا يليق أو لرفض قد يهينها

حماية المرأة أن تبقى في موضع التقدير مهما بلغت من العلم والمعرفة والموقع لا أن ندفعها وتدفع هي بنفسها إلى موضع الخلاف
الهدف من الجاهة هو حقن الدماء وإنهاء الخلافت والفتنة
لكن عندما تترأسها امرأة تتحول القضية من "قضية الدم والصلح إلى "قضية من ترأس الجاهة".

العرف لا يُبنى بالعواطف بل يُبنى بالسوابق والالتزام
لو تم الصلح اليوم على يد امرأة، سيأتي غداً من يطعن: "هذا صلح ناقص، تم بلا وجه ملزم".
فتعود المشكلة بعد سنوات، ويُقال إن "وجه المرأة" لا يكفي لكفالة دم أو مال أو عرض.

نحن لا نقلل من عقل المرأة ولا من حكمتها. فكم من امرأة كان رأيها سيفاً قاطعاً في بيتها وأسرتها وعملها
ولكن لكل مقام مقال، ولكل ميدان رجاله.
ميدان الجاهة هو ميدان "وجه وكفالة والتزام" كما عرفه الأردنيون.
وتغييره اليوم هو عبث بالعرف ومخاطرة بمصير الصلح وظلم للمرأة نفسها قبل أي أحد.

فلنبقِ للمرأة مقامها المصان وللجاهات والقيم هيبتهما المحفوظة. فبالعرف نحيا، وبالعرف يُصان الدم، ويبقى مجتمعنا متمسكاً بما توارثناه عبر السنين.