التعليم أكبر من وزير… ومستقبل أبنائنا ليس مجالاً للتجربة

التعليم أكبر من وزير… ومستقبل أبنائنا ليس مجالاً للتجربة

هناك ملفات يمكن للدولة أن تتحمل فيها شيئاً من التجربة والخطأ، لكن التعليم ليس واحداً منها؛ لأن الخطأ في هذا المجال لا يبقى محصوراً في مكتب أو قرار، بل ينتقل إلى الصف، ومن الصف إلى البيت، ومن البيت إلى مستقبل طالب قد لا يملك فرصة ثانية لتعويض ما فاته.

ومن هنا أكتب لا بصفتي طرفاً في خلاف مع أحد، ولا انطلاقاً من موقف شخصي من وزير التربية والتعليم، وإنما بما يشبه لسان كل مواطن أردني يتابع ما يجري بقلق، ويسأل عن مستقبل أبنائه، ويريد من الدولة أن تمنحه وضوحاً يستطيع أن يبني عليه.

لا أحد يرفض تطوير التعليم، بل إن إصلاحه ضرورة تفرضها تحولات المعرفة والتكنولوجيا وسوق العمل. لكن الإصلاح ليس مجرد تغيير في الأنظمة والتعليمات؛ إنه عملية وطنية دقيقة تحتاج إلى دراسة وتدرج واستقرار وحوار واسع. وحين تصبح القرارات المتصلة بمصير الطلبة موضع أخذ ورد، أو تتقدم سرعة القرار على جاهزية المدارس والمعلمين والطلبة، فإن المشكلة لا تعود في فكرة الإصلاح، وإنما في طريقة إدارته ومن يتحمل مسؤولية هذه الإدارة.

وهنا تصبح الدعوة إلى تغيير وزير التربية والتعليم وتنمية الموارد البشرية دعوة مرتبطة بالأداء العام للمرحلة، لا بالشخص. فالوزير في النهاية مسؤول سياسي وإداري، ومن صميم مسؤوليته أن يضمن وضوح القرار، وجاهزية الميدان، وانسجام السياسات، واستقرارها. وإذا عجزت القيادة عن تحقيق هذه الشروط في ملف يمس كل بيت أردني تقريباً، فإن إعادة النظر فيها تصبح حقاً مشروعاً، بل مسؤولية سياسية عندما تكون المصلحة العامة هي المعيار.

والثانوية العامة هي الاختبار الأكثر حساسية لهذه المسألة. فالتوجيهي ليس مختبراً لتجريب السياسات ولا مساحة لتعديل القواعد بينما يسير الطلبة داخلها. الطالب يحتاج إلى معرفة مساره قبل أن يبدأه: ماذا يدرس، وكيف يُقيّم، وكيف تحتسب نتيجته، وما علاقتها بالقبول الجامعي، وما الخيارات المتاحة أمامه إذا لم يكن المسار الذي اختاره مناسباً.

أما الأسرة، فمن حقها أن تخطط دون أن تبقى معلقة بين قرار جديد وتفسير جديد. والمعلم لا يمكن أن يكون مسؤولاً عن تنفيذ إصلاح لم يُمنح الوقت الكافي لفهمه والتدرب عليه. وكلما غابت هذه الشروط، اتسعت مساحة القلق وتراجعت الثقة، وهي خسارة أخطر من أي خلل إداري عابر.

ولا يمكن تجاهل الكلفة الاجتماعية لمثل هذا الارتباك. فالأسرة التي لا تثق بالنظام العام تبحث عن بدائل: دروس خصوصية، مراكز تعليمية، مصادر إضافية، وربما تعليم خاص. وفي بلد تتفاوت فيه قدرة الأسر المالية، قد يتحول ضعف التخطيط إلى عامل يوسع الفجوة التعليمية بين أبناء المجتمع بدلاً من تضييقها.

لهذا فإن معيار الإصلاح ليس عدد القرارات التي صدرت، وإنما أثرها على الطالب والميدان. والقيادة الناجحة ليست التي تتمسك بالقرار لمجرد أنها أصدرته، بل التي تمتلك القدرة على قياس نتائجه، والاستماع إلى النقد، وتصحيح المسار عندما تظهر كلفته.

وإذا كان تغيير الوزير قادراً على إعادة بناء هذه الثقة، فإن التغيير لا يكون تراجعاً عن الإصلاح، بل حماية له. فالإصلاح ليس ملكاً لشخص حتى يصبح الدفاع عنه دفاعاً عن صاحبه، وإنما هو مشروع للدولة، ويمكن أن يستمر بصورة أفضل عندما تتغير القيادة التي لم تنجح في إدارة مرحلته.

ثم إن حصر النقاش في التوجيهي وحده يختزل أزمة التعليم. القضية تبدأ من المدرسة وتمتد إلى الجامعة والبحث العلمي وسوق العمل. لا معنى لإنتاج خريجين بأعداد كبيرة إذا كانت التخصصات التي يحملون شهاداتها لا تجد مكاناً في الاقتصاد، ولا جدوى من تعديل بوابة القبول إذا بقيت العلاقة بين مخرجات التعليم واحتياجات سوق العمل ضعيفة.

الأردن بحاجة إلى عقل تعليمي يقرأ السنوات المقبلة، لا العام الدراسي الحالي فقط. نحتاج إلى معرفة دقيقة بالتخصصات التي يحتاجها الاقتصاد، وتلك التي وصلت إلى التشبع، والوظائف التي ستتراجع مع الأتمتة، وتلك التي ستنشأ بفعل الذكاء الاصطناعي والتحولات الرقمية والطاقة والمياه والأمن السيبراني والزراعة الحديثة وغيرها. ثم تُبنى على هذه المعرفة سياسات القبول الجامعي، والمسارات المدرسية، والتدريب، والابتعاث، وإعادة التأهيل.

هذه ليست مهمة وزير وحده، لكنها تحتاج إلى قيادة تمتلك الرؤية والقدرة على جمع مؤسسات الدولة حول مشروع واحد. ولذلك فإن تغيير الوزير، إذا أصبح ضرورياً، يجب ألا يكون مجرد استبدال اسم باسم، وإنما انتقالاً من إدارة القرارات إلى إدارة مشروع وطني للتعليم.

نحن بحاجة إلى قيادة تستطيع أن تضع خطة واضحة لسنوات، وتعلن أهدافها ومراحلها، وتختبر السياسات قبل تعميمها، وتستمع إلى المعلمين والطلبة والأسر والجامعات والخبراء، وتضع مصلحة الطالب فوق الاعتبارات الإدارية.

وأنا حين أطالب بذلك أتحدث بما يشبه لسان المواطن الذي لا يعنيه من يبقى في الكرسي بقدر ما يعنيه أن يعرف ابنه أين يقف، وإلى أين يذهب، وما الذي ينتظره في نهاية الطريق.

قد يغادر الوزير منصبه في أي وقت، لكن الطالب لا يستطيع أن يستعيد عاماً من عمره. ويمكن تعديل قرار إداري، لكن من الصعب إصلاح أثر قرار خاطئ على مسار إنسان بعد سنوات.

لذلك فإن الدعوة إلى تغيير وزير التربية والتعليم وتنمية الموارد البشرية، في ظل استمرار حالة القلق وعدم اليقين حول مستقبل منظومة التعليم، يجب أن تُفهم باعتبارها مطالبة بالمحاسبة السياسية وتصحيح المسار، لا خصومة مع شخص ولا رفضاً للإصلاح.

فالوزير جزء من الدولة وليس الدولة، والوزارة مؤسسة وليست ملكاً لشاغلها، والتعليم أمانة تتجاوز الأشخاص والحكومات.

نريد إصلاحاً لا يخيف الطالب، ولا يرهق الأسرة، ولا يربك المعلم، ولا يفاجئ المدرسة، ولا يقطع الطريق بين التعليم وسوق العمل.

ونريد قيادة تعرف أن أعظم نجاح للوزير ليس أن يترك وراءه أكبر عدد من القرارات، وإنما أن يترك منظومة أكثر استقراراً وثقة وقدرة على صناعة المستقبل.

التعليم أكبر من وزير، ومستقبل أبنائنا أكبر من أن يكون مجالاً للتجربة أو الارتباك. وإذا كان تغيير القيادة هو الطريق إلى استعادة الاستقرار والثقة، فإن المصلحة الوطنية تقتضي ألا نتردد في اتخاذه.