أهمية الوعي الصحي ومسؤولية المؤسسات

أهمية الوعي الصحي ومسؤولية المؤسسات

لم تعد صحة الإنسان اليوم مرتبطة فقط بتوفر الأطباء والمستشفيات والأدوية، بل أصبحت مرتبطة بصورة متزايدة بقدرته على فهم المعلومة الصحية وتقييمها واتخاذ القرار الصحيح بشأنها.

فنحن نعيش في زمن أصبحت فيه المعلومة الصحية متاحة للجميع، لكن المشكلة أن كثرة المعلومات لا تعني بالضرورة جودتها، وانتشارها لا يعني صحتها، وثقة المتحدث بها لا تمنحها صفة الحقيقة العلمية. بل إن وسائل التواصل الاجتماعي جعلت المعلومة الصحية الصحيحة والخاطئة تصل إلى الإنسان بالسرعة نفسها تقريبًا، وأحيانًا بالأسلوب نفسه.

ومن هنا تبرز أهمية الوعي والثقافة الصحية بوصفهما خط الدفاع الأول عن صحة الفرد والمجتمع. فالتثقيف الصحي، وفق منظمة الصحة العالمية، لا يقتصر على القدرة على الوصول إلى المعلومات، وإنما يشمل القدرة على فهمها وتقييمها واستخدامها بطريقة صحيحة، بما في ذلك التفكير النقدي عند اتخاذ القرارات الصحية.

وتزداد أهمية ذلك مع الانتشار المتسارع للأنظمة الغذائية المختلفة التي تقدم نفسها باعتبارها طريقًا إلى الصحة أو الوقاية أو حتى علاج الأمراض. ومن الأمثلة التي أثارت اهتمامًا واسعًا «نظام الطيبات»، إلى جانب أنظمة غذائية عديدة أخرى تختلف في فلسفتها وتفاصيلها ودرجة الأدلة العلمية التي تستند إليها.

والإنصاف يقتضي ألا نضع جميع هذه الأنظمة في سلة واحدة، كما لا ينبغي رفض كل ما تقدمه لمجرد أنه غير تقليدي. فقد تتضمن بعض الأنظمة نصائح غذائية سليمة، مثل تقليل الأطعمة فائقة التصنيع، والحد من السكريات والملح والدهون غير الصحية، وزيادة تناول الخضروات والفواكه والبقوليات والحبوب الكاملة. وهذه المبادئ تتوافق في جوانب أساسية منها مع التوصيات الغذائية الحديثة. وتؤكد منظمة الصحة العالمية أن النظام الغذائي الصحي يقوم بصورة عامة على التنوع والتوازن والاعتدال والكفاية، مع اختلاف التفاصيل بحسب احتياجات الفرد وظروفه.

لكن المشكلة تبدأ عندما تنتقل النصيحة الغذائية من كونها أسلوبًا صحيًا للحياة إلى ادعاء علاجي شامل، أو عندما يُقدَّم نظام واحد باعتباره الحل لمجموعة واسعة من الأمراض، أو عندما تتحول التجربة الشخصية إلى دليل علمي، أو عندما يُطلب من المريض أن يختار بين الغذاء والدواء وكأنهما خصمان.

وهنا يجب أن تكون الرسالة واضحة: الغذاء الصحي ليس عدوًا للدواء، والدواء ليس خصمًا للغذاء.

ففي كثير من الأمراض المزمنة، يمثل تعديل نمط الحياة والتغذية جزءًا أساسيًا من العلاج، لكنه لا يعني تلقائيًا إمكانية إيقاف الأدوية الموصوفة. فالتحسن في مستوى السكر أو ضغط الدم أو الدهون، على سبيل المثال، لا يعني بالضرورة زوال المرض، وقد يكون نتيجة تضافر النظام الغذائي والنشاط البدني والدواء وعوامل أخرى. لذلك فإن أي تعديل في العلاج الدوائي يجب أن يتم بالتعاون مع الطبيب وبناءً على التقييم والمتابعة، وليس بناءً على تجربة شخصية أو مقطع متداول على وسائل التواصل الاجتماعي.

وهنا تظهر أهمية الوعي الصحي الحقيقي.لكن لا يمكن أن نضع مسؤولية ذلك كله على عاتق المواطن أو المريض. فالمؤسسات الصحية والتعليمية تتحمل مسؤولية كبيرة في صناعة الوعي الصحي.

لذلك فإن بناء الثقافة الصحية يجب أن يبدأ مبكرًا، من المدرسة، ويتطور في الجامعة، ويستمر في أماكن العمل والمراكز الصحية ووسائل الإعلام والمنصات الرقمية. وتؤكد منظمة الصحة العالمية أن تعزيز التثقيف الصحي مسؤولية مشتركة، وأن المؤسسات والجهات التي تقدم المعلومات والخدمات عليها أن تجعل المعلومات الموثوقة مفهومة وقابلة للاستخدام.

كما أن النظام الغذائي الصحي لا ينبغي أن يتحول إلى «عقيدة» جديدة. فحتى منظمة الصحة العالمية تؤكد أن شكل النظام الصحي قد يختلف باختلاف العمر والحالة الصحية والنشاط البدني والثقافة والظروف الاجتماعية، مع بقاء المبادئ الأساسية للتغذية الصحية ثابتة.

ولهذا، فإن الموقف العلمي المتوازن من «نظام الطيبات» أو غيره من الأنظمة الغذائية ليس الرفض المطلق ولا القبول المطلق، وإنما الاحتكام إلى الدليل. ما يثبت علميًا يمكن الاستفادة منه، وما يحتاج إلى مزيد من البحث يبقى في دائرة الاحتمال، وما يثبت عدم فائدته أو وجود ضرر فيه ينبغي تجنبه.

وفي النهاية، نحن لا نحتاج إلى مجتمع يعرف أسماء الأمراض والأدوية والأنظمة الغذائية فحسب، بل إلى مجتمع يعرف كيف يفكر صحيًا.

نحتاج إلى إنسان لا يصدق كل ما يقرأ، ولا يرفض كل ما لا يعرفه، ولا يستبدل الطبيب بمؤثر على وسائل التواصل، ولا يستبدل الدواء بنصيحة مجهولة المصدر، وفي الوقت نفسه لا يهمل أهمية الغذاء والنشاط والنوم ونمط الحياة.

والرسالة الأهم التي ينبغي أن تتبناها المؤسسات الصحية والتعليمية هي أن الغذاء والدواء والوقاية والطب المبني على الدليل ليست أطرافًا متصارعة، بل مكونات متكاملة عندما تُستخدم في مكانها الصحيح.

فحين يصبح السؤال عن الدليل عادة، وحين تتقدم المؤسسات العلمية إلى المجتمع بدل أن تتركه يبحث عن الإجابات وحده، وحين نتعلم أن نميز بين «الطيب» و«المثبت»، فإننا لا نحمي الناس من المرض فقط، بل نحميهم أيضًا من التضليل الصحي.

إن بناء الوعي الصحي ليس حملة مؤقتة، بل مشروع مجتمعي طويل الأمد… والاستثمار فيه قد يكون أحد أهم أشكال الوقاية.