بيوت السلط التراثية.. تستعيد حضورها بوظائف جديدة ومشاريع استثمارية

بيوت السلط التراثية.. تستعيد حضورها بوظائف جديدة ومشاريع استثمارية

من بين أزقة السلط القديمة وواجهاتها المشيدة بالحجر الأصفر، لم تعد البيوت التراثية مجرد شواهد على تاريخ المدينة وذاكرة أهلها، بل بدأت تستعيد حضورها بوظائف جديدة، بعدما تحولت أجزاء منها إلى مطاعم ومقاهٍ وبيوت ضيافة ومشاريع ثقافية وسياحية.

هذا التحول، الذي تسارع الاهتمام به بعد إدراج مدينة السلط على قائمة التراث العالمي لليونسكو عام 2021، يفتح الباب أمام معادلة تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها أكثر تعقيداً على أرض الواقع: كيف يمكن تحويل مئات المباني التراثية إلى أصول اقتصادية منتجة، من دون أن يفقدها الاستثمار قيمتها التاريخية والمعمارية؟

وفي مدينة السلط التي تضم أكثر من 650 مبنى تراثياً، تتباين التجارب بين مبانٍ استعادت الحياة من خلال مشاريع استثمارية، وأخرى ما تزال بحاجة إلى الترميم وإيجاد استخدام مستدام، فيما تتجه الجهات المعنية إلى تطوير أدوات جديدة لربط التراث بالاستثمار والسياحة.

وتتجه الأنظار إلى قدرة السلط على تحويل ثروتها العمرانية إلى مورد اقتصادي مستدام، يحافظ في الوقت ذاته على ملامح المدينة وهويتها التي منحتها مكانتها على قائمة التراث العالمي.

وقال منسق مبادرة «تراثنا ذهبنا» المنضوية تحت مظلة الجمعية الأردنية للمحافظة على التراث أمين عربيات ، إن السلط شهدت تجارب متعددة في إعادة استخدام البيوت التراثية، موضحاً أن الاستثمار في البيت التراثي يمكن أن يحوله إلى مشروع عائلي صغير يدر دخلاً على صاحبه بدلاً من تركه مهجوراً، فيما ينعكس نجاح المطاعم والمقاهي وبيوت الضيافة والنزل على قطاعات أخرى، كالنقل والحرف اليدوية والمنتجات الغذائية والمحال التجارية والإرشاد السياحي.

وأضاف أن جزءاً من الثروة العمرانية في المدينة، التي تضم أكثر من 650 مبنى تراثياً بارزاً، ما يزال بحاجة إلى الترميم أو إيجاد استخدام اقتصادي يوفر فرص عمل جديدة، داعياً إلى تعزيز دعم أصحاب البيوت الذين بادروا إلى ترميم مبانيهم واستثمارها.

وأشار عربيات إلى نماذج جرى فيها إعادة استخدام مبانٍ تراثية، منها بيت مسمار الذي تحول إلى جاليري، وبيت حتر في الجدعة الذي أصبح فندقاً، وبيت الكيلاني الذي يستخدم مقراً لمنتدى الاعتدال، وبيت قاقيش الذي تحول إلى دارة ثقافية بالتعاون مع وزارة الثقافة.

وأكد أن نجاح تجربة الاستثمار في البيوت التراثية يتطلب أن يكون الاستثمار «رافعة للتراث وليس بديلاً عنه»، بحيث تتوافق الوظيفة الجديدة مع طبيعة المبنى، وتنفذ أعمال الترميم وفق أسس تحافظ على عناصره الأصلية، حتى لا يتحول البيت التراثي إلى مجرد واجهة حجرية لنشاط تجاري حديث.

من جهته، قال المهتم بتوثيق تاريخ السلط كمال قطيشات، أن نجاح الاستثمار في البيوت التراثية لا يقاس بعدد المشاريع التي تفتح أبوابها فحسب، وإنما بقدرتها على الحفاظ على الحجر الأصلي والتفاصيل المعمارية والهوية الاجتماعية للمكان، وتقديم تجربة سياحية تستند إلى قصة البيت وتاريخ المدينة ومطبخها وحرفها وعاداتها.

وقال صاحب مقهى الإسكندراني محمد باكير، إن مشروعه كان من أوائل المشاريع التي أقيمت داخل مبنى تراثي في السلط قبل نحو عشر سنوات، موضحاً أن الفكرة واجهت في بدايتها استهجاناً واستغراباً من المحيطين، قبل أن تتحول بعد افتتاح المشروع إلى تجربة لاقت إعجاب الزوار والسياح، وشجعت على إقامة مشاريع أخرى في البيوت التراثية.

وأشار باكير إلى أن تنامي المشاريع داخل البيوت التراثية أسهم في تعزيز حضور السلط كوجهة سياحية تراثية، داعياً إلى مزيد من التنظيم والتنسيق بين أصحاب المشاريع والمؤسسات المعنية، بما يمنع تكرار الأنشطة ويشجع على طرح أفكار جديدة تخدم المستثمر والمدينة والسائح.

وعن دور بلدية السلط الكبرى في الحفاظ على المباني التراثية وإعادة تأهيلها، قال رئيس لجنة البلدية علي البطاينة ، إن البلدية أولت ملف التراث العمراني اهتماماً مبكراً، من خلال إعداد الدراسات التوثيقية وتصنيف المباني التراثية وحمايتها، إلى جانب إصدار أحكام البناء والتنظيم الخاصة بوسط مدينة السلط لتنظيم أعمال البناء والترميم والصيانة والحفاظ على الطابع العمراني للمدينة.

وأضاف أن وحدة إدارة مشاريع التطوير تتولى دراسة طلبات الترميم والصيانة وإصدار الموافقات والتصاريح وفق تصنيف المبنى ونوع التدخل، وبعد إجراء الكشوفات والتقييم الفني من المهندسين المختصين، بما يضمن عدم المساس بالعناصر الأصيلة أو القيمة التراثية للمبنى.

وأشار البطاينة إلى أن إدراج السلط على قائمة التراث العالمي لليونسكو عام 2021 أسهم في رفع الوعي بأهمية التراث وزيادة الاهتمام بالترميم وإعادة الاستخدام، لافتاً إلى أن البلدية تعمل حالياً على تحديث قاعدة بيانات المباني التراثية لتوفير معلومات دقيقة تساعد في تحديد أولويات الحماية والاستثمار.

وبين أن البلدية تشجع الاستخدامات التي تسهم في استدامة المبنى اقتصادياً واجتماعياً، ومنها بيوت الضيافة والمطاعم والمقاهي والمراكز الثقافية والحرفية، شريطة الالتزام بالمعايير المعتمدة للحفاظ على قيمته التراثية.

وأشار إلى أن السلط تمتلك أكثر من 650 مبنى تراثياً تشكل رصيداً عمرانياً واقتصادياً وثقافياً، وأن التوجه الحالي يركز على تحويل هذه المباني إلى أصول منتجة تسهم في التنمية الاقتصادية والسياحية.

ولفت إلى أن البلدية تنفذ مشروعاً تنموياً فاز بتحدي بلومبيرغ العالمي لعمداء المدن، ويهدف إلى تحويل التراث العمراني غير المستغل إلى محرك اقتصادي واجتماعي وثقافي مستدام، من خلال إعداد أول محفظة للمباني التراثية ذات الجدوى الاستثمارية، وربط الفرص الاستثمارية بالقطاع الخاص والجهات التمويلية.

وأكد أن الهدف لا يقتصر على إعادة تأهيل المباني، وإنما إعادة الحياة إليها من خلال استخدامها كمطاعم ومقاهٍ وبيوت ضيافة ومراكز ثقافية وإبداعية وحرفية، بما يسهم في خلق فرص عمل ودعم المشاريع الصغيرة وريادة الأعمال وتنشيط الحركة الاقتصادية في المدينة التاريخية.

وشدد البطاينة على أن مستقبل المباني التراثية في السلط يقوم على توظيفها كرافعة للتنمية المستدامة، مع الحفاظ على هويتها وقيمتها التاريخية، مؤكداً أن نجاح التجربة لا يقاس بعدد المشاريع التي تفتح أبوابها في البيوت القديمة فقط، وإنما بقدرتها على إبقاء هذه المباني حية ومصانة، وخلق فرص اقتصادية لأبناء المدينة وتعزيز مكانة السلط كوجهة تراثية وسياحية واستثمارية.

وقال مدير سياحة البلقاء محمود عربيات، أنه لا توجد حالياً إحصائية رسمية موحدة تحدد عدد فرص العمل التي وفرتها المشاريع المقامة داخل البيوت التراثية، بما فيها المشاريع السياحية، إلا أنها أسهمت في توفير فرص عمل مباشرة وغير مباشرة للشباب والنساء وأصحاب المشاريع الصغيرة، خصوصاً في قطاعات الضيافة والمطاعم والحرف والترميم. وأكد عربيات أن إعادة استخدام المباني التراثية كمشاريع استثمارية وسياحية تعد أداة فعالة للحفاظ عليها، كونها تمنح المبنى وظيفة وعائداً اقتصادياً يضمن استمرارية صيانته بدلاً من بقائه مهجوراً، مشدداً على أن الاستثمار في التراث ينبغي أن يحافظ على قيمته المعمارية والتاريخية.

وأشار إلى أن وزارة السياحة والآثار، ممثلة بمديرية سياحة البلقاء، تعمل بالتعاون مع الشركاء على تطوير القطاع السياحي والبنية التحتية في مدينة السلط وتحسين بيئة الاستثمار، إلى جانب توفير حوافز لتشجيع الاستثمار في المنشآت السياحية والبيوت التراثية.

وحول معايير إعادة الاستخدام التكيفي، أوضح عربيات أن هناك إطاراً قانونياً يستند إلى قانون حماية التراث العمراني والحضري رقم (5) لسنة 2005، ومتطلبات بلدية السلط الكبرى واليونسكو، بما يضمن الحفاظ على القيمة المعمارية والتاريخية والأصالة، وإجراء أقل قدر ممكن من التغييرات على الهيكل والمواد والشكل والتصميم، بحيث لا يفقد المبنى قيمته التراثية.

وقال مدير مؤسسة إعمار السلط خلدون خريسات ، أن المؤسسة أسهمت في تحويل عدد من المباني التراثية إلى متاحف، من بينها متحف آثار السلط في بيت طوقان ومتحف السلط التاريخي في بيت أبو جابر، كما عملت على دعم وتحفيز المجتمع المحلي للاستثمار في الأبنية التراثية وإقامة منشآت سياحية تقدم خدمات لزوار المدينة.

وأشار خريسات إلى أن عدد المباني التراثية التي جرى مسحها بلغ 657 مبنى، فيما وصلت نسبة المباني التي تم الاستثمار فيها إلى نحو 10%، لافتاً إلى أن القطاع السياحي يعد من أبرز القطاعات المساهمة في توفير فرص العمل، مع وجود رغبة متزايدة لدى أصحاب بعض المباني في ترميمها واستثمارها. وفيما يتعلق بما تحقق من خطة إدارة المدينة التاريخية منذ إدراج السلط على قائمة التراث العالمي، قال خريسات إن هناك اعتقاداً لدى شريحة من المجتمع المحلي بأن إدراج المدينة على قائمة اليونسكو يعني الحصول على دعم مالي مباشر من المنظمة، بينما تكمن أهمية الإدراج في تعزيز مسؤولية الجهات المحلية تجاه حماية الموقع، إلى جانب الترويج للمدينة وتسليط الضوء على قيمتها التراثية والسياحية.