استراتيجية الارض المحروقة.. اسرائيل تفرض واقعا ميدانيا جديدا في جنوب لبنان

استراتيجية الارض المحروقة.. اسرائيل تفرض واقعا ميدانيا جديدا في جنوب لبنان

هندسة ميدانية تسبق طاولة المفاوضات

تتسارع التحولات الميدانية في جنوب لبنان بالتزامن مع حالة الجمود التي تسيطر على مسار التفاوض السياسي، حيث تعمل القوات الاسرائيلية على فرض واقع جغرافي وعسكري جديد على الارض قبل اي تسوية مرتقبة. وتظهر المعطيات الميدانية الاخيرة تكثيفا لعمليات القصف والتجريف وتدمير المنازل في قرى عدة، بما يشي بمحاولة اسرائيلية لتحويل هذه التغيرات الى نقاط قوة تفرض شروطها في اي جولات تفاوضية قادمة.

واكد خبراء عسكريون ان الهدف الاسرائيلي يتجاوز مجرد العمليات العسكرية المحدودة، اذ تسعى تل ابيب الى اعادة تشكيل ميزان القوى من خلال خلق نطاق امني فعلي وتثبيت نقاط سيطرة تمنحها افضلية ميدانية. وبين المراقبون ان استغلال الجمود التفاوضي يمنح الطرف الاقوى وقتا ثمينا لفرض وقائع تصبح لاحقا جزءا من الخريطة التي سيتم التفاوض على اساسها، مما يجعل العودة الى وضع ما قبل التصعيد اكثر تعقيدا.

تغيير الجغرافيا للضغط السياسي

وكشفت التحركات الاخيرة في القطاع الغربي ومناطق حولا والمنصوري عن وتيرة متصاعدة من التدمير الممنهج، وهو ما يهدف بحسب التحليلات الى عرقلة اي امكانية لاعادة الاعمار او عودة السكان على المدى القريب. واوضح المختصون ان هذه الاجراءات تهدف الى تحويل القرى المدمرة الى اوراق ضغط، حيث ينتقل السؤال من توقيت الانسحاب الى توقيت السماح للاهالي بالعودة، مما يضع الدولة اللبنانية امام تحديات سيادية وسياسية جسيمة.

واضاف المحللون ان العقدة الاساسية في المفاوضات تكمن في ترتيب الخطوات، اذ تصر اسرائيل على ربط الانسحاب بملفات امنية معقدة مثل سلاح حزب الله والانتشار العسكري، بينما يسعى الجانب اللبناني الى وقف الاعتداءات والتدمير كأولوية قصوى. واشاروا الى ان استمرار الجمود يخدم الاستراتيجية الاسرائيلية في تحويل التكتيكات العسكرية الى مكاسب سياسية دائمة، ما لم يتم الضغط دوليا لوقف هذا المسار.

الابعاد الاستراتيجية والحسابات الاقليمية

واظهرت قراءة في المشهد ان ما يجري في الجنوب يتقاطع مع رؤية امريكية اوسع تهدف الى تقليص النفوذ الايراني على ضفاف البحر المتوسط. واشار خبراء استراتيجيون الى ان الغطاء الامريكي للتحركات الاسرائيلية ياتي في سياق الضغط على الحكومة اللبنانية لتنفيذ التزامات تتعلق بملف سلاح الحزب، معتبرين ان واشنطن لا تقبل ببقاء الوضع على ما هو عليه في المنطقة.

وختم المراقبون بان رهان لبنان على عامل الوقت لم يعد مجديا، خاصة وان اسرائيل تعمل على استنزاف الخيارات اللبنانية عبر خلق واقع ميداني يصعب تجاوزه دبلوماسيا. واكدوا ان المرحلة المقبلة ستشهد معركة من نوع خاص، تتمثل في محاولة لبنان منع تحول هذه الوقائع الميدانية الى مرجعيات تفاوضية ثابتة تفرض شروطا قاسية على السيادة الوطنية.