حين تتغيب المؤسسات: تتحول الأسرة إلى دولة مصغّرة

حين تتغيب المؤسسات: تتحول الأسرة إلى دولة مصغّرة

هناك أزمات لا تبدأ بانهيار مبنى، ولا بانقطاع الكهرباء، ولا بإعلان حالة طوارئ هناك أزمات تبدأ بصمت، حين تتراجع المؤسسة عن دورها، ثم تترك الأسرة في مواجهة النتائج وحدها والأسوأ من ذلك أن هذا التراجع غالبًا لا يُسمّى أزمة، بل يُعاد تعريفه باعتباره (مسؤولية الأسرة).

وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية ، فعندما يفشل النظام التعليمي في احتواء طالب، تصبح الأم مطالبة بأن تكون معلّمة، ومرشدة نفسية، ومتابعة أكاديمية، وخبيرة تكنولوجيا، وأحيانًا مفتشة ومديرة مدرسة داخل منزلها، وعندما تتراجع المؤسسات الصحية، يُطلب من الأسرة أن تعرف كيف تتعامل مع المرض وأن تتحمل كلفة العلاج والبحث والمتابعة، وعندما تفشل مؤسسات الحماية الاجتماعية، تتحول الأسرة إلى شبكة الأمان الأخيرة، حتى لو كانت هي نفسها تعاني من الفقر والضغط والإنهاك ، وبمرور الوقت، لا تعود الأسرة شريكًا للمؤسسة؛ بل تصبح بديلًا عنها وهذه ليست شراكة هذه أزمة مؤسسات.

عندما تصبح الأم مؤسسة رسمية بلا راتب

ربما لا يوجد مثال أكثر قسوة على هذا الخلل من وضع الأم ، ففي كثير من المجتمعات، تُترك الأم في مواجهة قائمة لا تنتهي من الواجبات التي لم تعد الأسرة قادرة وحدها على القيام بها ، عليها أن تتابع تعليم أبنائها، وأن تعالج آثار ضعف المدرسة، وأن تراقب صحتهم النفسية، وأن تحميهم من التنمر، وأن تراقب استخدامهم للإنترنت، وأن تعالج ضعف التحصيل، وأن تبحث عن الدروس الخصوصية، وأن تكتشف مواطن الخلل في العملية التعليمية، ثم تُلام إذا لم تنجح.

السؤال هنا ليس: أين الأم؟ السؤال الذي يجب أن نجرؤ على طرحه هو: أين المؤسسة؟

لماذا أصبح مطلوبًا من الأم أن تكتشف المشكلة التعليمية قبل المدرسة؟ ولماذا أصبحت مطالبة بمتابعة المعلم، والمنهج، والواجبات، والاختبارات، والسلوك، والصحة النفسية، وكأنها تدير مؤسسة تعليمية كاملة من غرفة الجلوس؟

ولماذا، عندما تظهر النتائج السلبية، يكون أول سؤال: «هل الأسرة قامت بدورها؟» بينما نادرًا ما يكون السؤال المقابل: هل قامت المؤسسة بدورها؟

هذه ليست دعوة لإعفاء الأسرة من المسؤولية ، الأسرة شريك أساسي، ولا يمكن لأي مؤسسة أن تحل محلها.

لكن هناك فرقًا هائلًا بين الشراكة وتحميل المسؤولية ، الشراكة تعني أن تقوم المؤسسة بدورها، وتقوم الأسرة بدورها.

أما تحميل المسؤولية فيعني أن تتراجع المؤسسة خطوة إلى الخلف، ثم تقول للأسرة: (دبّري أمورك).

المؤسسة التي تتغيب لا تختفي… بل تُصدّر أزمتها ، أخطر ما في غياب المؤسسات أنه لا ينتج فراغًا.

الفراغ دائمًا يملؤه أحد ، عندما لا تقوم المدرسة بدورها، تملأ الأسرة الفراغ. وعندما لا تقوم الجهات الاجتماعية بدورها، تتحمل الأسرة العبء وعندما لا تقدم المؤسسات العامة خدماتها بالكفاءة المطلوبة، يبدأ المواطن في شراء البدائل من ماله ووقته وجهده ، وهكذا تتحول المشكلة من فشل مؤسسي إلى عبء فردي ، وهذه واحدة من أخطر الحيل التي يمكن أن تحدث في الإدارة العامة: أن يُعاد تعريف فشل المؤسسة باعتباره قصورًا لدى المواطن ، فبدل أن نقول إن النظام التعليمي يحتاج إلى إصلاح، نقول إن الأهالي لا يتابعون أبناءهم بما يكفي وبدل أن نسأل لماذا لا توفر المؤسسات الدعم النفسي والاجتماعي الكافي، نسأل لماذا لم تنتبه الأسرة إلى المشكلة وبدل أن نعترف بوجود خلل في السياسات أو الموارد أو الرقابة أو الإدارة، نبحث عن الحلقة الأضعف ونضع الأزمة على كتفيها، وفي كثير من الأحيان تكون تلك الحلقة هي الأم

الأم ليست وزارة تربية هناك افتراض اجتماعي خطير يتسلل بهدوء إلى وعينا: أن الأم تستطيع دائمًا أن تعوّض أي نقص مؤسسي ، إذا كان التعليم ضعيفًا، فلتتابع الأم ، إذا كان الطفل يعاني، فلتحتوِيه الأم وإذا كان النظام لا يكتشف المشكلة، فلتكتشفها الأم ، إذا كان هناك تنمر، فلتواجهه الأم ، إذا كان هناك ضعف أكاديمي، فلتدفع الأم ثمن الدروس

إذا كان هناك فراغ في الرعاية، فلتملأه الأم وإذا انهار كل شيء، نسأل الأم: ماذا فعلتِ؟

هذا السؤال، في كثير من الأحيان، ظالم قبل أن يكون ساذجًا ، لأننا لا نسأل عن حجم الموارد التي أُعطيت لها، ولا عن الوقت الذي تملكه، ولا عن الدعم الذي حصلت عليه، ولا عن كفاءة المؤسسات التي يفترض أن تعمل معها.

نريد منها نتائج مؤسسية بإمكانات فردية ، نريد منها أن تعالج آثار سياسات لم تشارك في صنعها نريد منها أن تكون قوية بما يكفي لتعويض ضعف نظام كامل ، وهذا ليس تقديرًا لدور الأم هذا، في جوهره، استغلال لصبرها ومسؤوليتها

أخطر الأزمات هي التي تصبح طبيعية المشكلة الأكبر ليست أن تتغيب المؤسسة مرة المشكلة أن يتحول غيابها إلى أمر طبيعي ، أن يعتاد الناس أن المدرسة لا تكفي، فيبحثون عن البدائل ، أن يعتادوا أن المعاملة الرسمية تحتاج إلى وساطة

أن يعتادوا أن الخدمة العامة لا تصل في الوقت المناسب ، أن يعتادوا أن المواطن عليه أن يدفع مرتين: مرة من خلال الضرائب والرسوم، ومرة أخرى لشراء الخدمة التي كان يفترض أن يحصل عليها أصلًا ، هنا لا تعود الأزمة حدثًا استثنائيًا ، تصبح نظامًا يوميًا للحياة وهذا أخطر بكثيرلأن المجتمع عندما يعتاد الخلل يتوقف عن مقاومته وعندما يتوقف عن مقاومته، تبدأ المؤسسات في اعتبار التقصير أمرًا مقبولًاوهنا تولد ثقافة خطيرة جدًا: ( دبّر حالك) .

هذه العبارة الصغيرة تختصر أحيانًا أزمة دولة كاملة ، من يدفع ثمن غياب المؤسسة؟ يدفعه الجميع، لكن ليس بالتساوي

الأسرة الأكثر قدرة تستطيع شراء مدرسة أفضل، ودروسًا إضافية، واستشارات، وعلاجًا نفسيًا، ونشاطات، وخدمات خاصة ، أما الأسرة محدودة الدخل، فقد لا تستطيع شراء أي من هذه البدائل.

وهنا يتحول ضعف المؤسسة إلى أداة لإعادة إنتاج عدم المساواة، فالطفل الذي يعيش في أسرة قادرة يحصل على بديل عن المدرسة الضعيفة ، أما الطفل الذي لا تملك أسرته المال، فيُترك مع المدرسة الضعيفة نفسها، وبذلك لا تصبح المؤسسة العامة مجرد مؤسسة ناقصة الكفاءة، بل تصبح عاملًا في توسيع الفجوة بين الناس ، وهذا ينقل القضية من كونها مشكلة أسرية إلى كونها قضية عدالة اجتماعية ، لسنا بحاجة إلى أم خارقة ، ربما آن الأوان أن نتوقف عن تمجيد الأم الخارقة التي تستطيع أن تفعل كل شيء ، الأم التي تعمل، وتربي، وتتابع، وتعلّم، وتعالج، وتحمي، وتدفع، وتبحث، وتراقب، ثم تبتسم وكأن شيئًا لم يحدث هذا النموذج قد يبدو بطوليًا، لكنه يخفي سؤالًا أكثر أهمية: لماذا تحتاج الأم أصلًا إلى أن تكون خارقة؟ المجتمع الصحي لا يحتاج إلى أمهات خارقات يحتاج إلى مؤسسات تقوم بعملها، الأم يجب أن تكون أمًا، لا بديلًا عن المدرسة ، والأسرة يجب أن تكون أسرة، لا وزارة تربية مصغرة والمواطن يجب أن يكون مواطنًا، لا موظفًا مجانيًا يعالج أخطاء الجهاز الإداري ، الأزمة ليست في الأسرة… الأزمة عندما تُترك الأسرة وحدها

علينا أن نعيد تعريف المسؤولية، ليس المطلوب أن نقول إن الأسرة غير مسؤولة، بل المطلوب أن نقول بوضوح إن المسؤولية موزعة، وليست قابلة للتهريب من مؤسسة إلى أخرى حتى تستقر فوق رأس الأم.

المؤسسة التي تمتلك السلطة والموارد والموظفين والأنظمة والميزانيات يجب أن تتحمل نصيبها من المسؤولية والمؤسسة التي تفشل يجب أن تُحاسب، والسياسة التي لا تحقق أهدافها يجب أن تُراجع ، والبرنامج الذي لا يعمل يجب أن يُغيّر والمسؤول الذي لا يؤدي وظيفته يجب ألا يكون الحل أمامه دائمًا هو تحميل المواطن مسؤولية نتائج تقصيره ، فالإدارة العامة لا تُقاس بعدد التعليمات التي تصدرها، وإنما بقدرتها على حماية الإنسان من أن يتحول إلى مدير أزمة في حياته اليومية ، الخطر الحقيقي ليس غياب المؤسسة… بل الاعتياد على غيابها حين تتغيب المؤسسات، تبدأ الأسرة في التعويض وحين تستمر الأسرة في التعويض، تبدأ المؤسسة في الاعتماد على هذا التعويض وحين يصبح التعويض عادة، يصبح التقصير أقل وضوحًا وهكذا تتشكل دائرة مغلقة والنتيجة مجتمع يدفع ثمن مؤسسات لم تقم بما يكفي، ثم يُطلب منه أن يكون ممتنًا لأنه استطاع أن يتدبر أمره لكن «تدبر الأمر» ليس سياسة عامة و«الأم ستتصرف» ليست خطة تعليمية و«الأهل مسؤولون» ليست إجابة عن فشل مؤسسي ، المؤسسات وُجدت أصلًا لكي لا يضطر المواطن إلى مواجهة كل شيء وحده ولهذا فإن السؤال الأكثر إلحاحًا اليوم ليس: ماذا تفعل الأسرة؟ بل:ماذا تفعل المؤسسة التي يفترض أن تكون موجودة من أجل الأسرة؟ لأن المجتمع الذي يحتاج فيه كل أب وأم إلى أن يصبحا خبيرين في التعليم والصحة والحماية والإدارة والأزمات حتى يستطيع أبناؤهما العيش بأمان، ليس مجتمعًا قويًا كما قد يبدو ، إنه مجتمع تتعلم أسرُه كيف تنجو من ضعف مؤسساته والنجاة ليست هي التنمية وليست هي العدالة وليست هي الإدارة الرشيدة ، وأخطر ما يمكن أن نفعله هو أن نصف قدرة الناس على تحمل الخلل بأنها نجاح، بينما الحقيقة أنها قد تكون الدليل الأكبر على أن المؤسسات لم تعد تقوم بالدور الذي أنشئت من أجله.