عيد المولد النبوي الشريف

عيد المولد النبوي الشريف

ليس المولد النبوي ذكرى لميلاد نبي من الانبياء أو شخص عظيم فحسب ؛ إنه استحضار للحظة التي دخل فيها المعنى إلى التاريخ، وتحوّل الإيمان من حقيقة في القلب إلى رسالة تبني الإنسان، والمجتمع، والأمة.

في مولد النبي محمد ﷺ ، لم يولد رجل فحسب، بل بدأت ولادة أمة كان قدرها أن تحمل رسالة تتجاوز حدود الزمان والمكان ، أمةٌ لم تكن فكرتها الأولى السيطرة على العالم، وإنما إصلاح الإنسان ولم تبدأ ببناء الحجر، وإنما ببناء الضمير.

وهنا يكمن المعنى الأعمق للمولد : فالحضارات لا تبدأ عندما تمتلك الأمم القوة ، بل عندما تعرف لماذا تريد القوة، ولأي غاية تستخدمها.

لقد جاء النبي ﷺ إلى عالم ممزق بالقبلية والتنازع ، فأسس معنى جديدًا للجماعة: أمة لا تقوم على الدم وحده، ولا على الأرض وحدها، ولا على المصالح وحدها، وإنما على رابطة من القيم والمسؤولية والرحمة والعدل.

ومن هذا المنظور، فإن المولد النبوي ليس عودة إلى الماضي، بل عودة إلى الأصل الذي يمنح الحاضر معناه.

وهذا هو جوهر النظرة المحافظة : فالمحافظة الحقيقية لا تعني تجميد التاريخ، وإنما صيانة الجذور التي تجعل التجدد ممكنًا دون أن يتحول إلى اقتلاع، وما أحوجنا اليوم إلى هذا المعنى؛ في زمن تتغير فيه الأفكار والتقنيات بسرعة تفوق قدرة الإنسان أحيانًا على سؤال نفسه عن الغاية.

لقد كان النبي ﷺ نموذجًا فريدًا في الجمع بين الثبات والتجدد؛ ثبات المبادئ، وتجدد الوسائل؛ ثبات القيم، وقدرة الإنسان على التعامل مع تغير الواقع.

ومن هنا، فإن الاقتداء بالنبي ﷺ لا يعني أن نعيش في القرن الأول، وإنما أن نحمل إلى القرن الحادي والعشرين القيم التي صنعت ذلك الإنسان : الصدق، والأمانة، والرحمة، والعدل، والعلم، والمسؤولية، وصلة الرحم، وحفظ الجماعة، واحترام الإنسان.

إن أخطر ما يمكن أن يحدث للأمة ليس أن تفقد قوتها المادية ، بل أن تفقد المعنى الذي يوجه هذه القوة.

ولهذا يصبح المولد النبوي مناسبة لمراجعة الذات : ماذا بقي من الرحمة في علاقاتنا ؟ ماذا بقي من الأمانة في أعمالنا ؟ ماذا بقي من احترام العلم؟ ماذا بقي من مسؤولية الفرد تجاه أسرته ومجتمعه ووطنه ؟ وهل ما زلنا نفهم أن قوة المجتمع تبدأ من قوة أخلاقه ؟

ومن روح المحافظة الأردنية ، يمكن أن نقرأ هذه المناسبة بوصفها تذكيرًا بأن الأسرة ليست مؤسسة اجتماعية عابرة، والوطن ليس مجرد جغرافيا، والهوية ليست شعارًا، والقيم ليست ترفًا ثقافيًا؛ بل هي البنية العميقة التي تحفظ المجتمع من التفكك حين تتغير الظروف.

لقد علّمنا الرسول محمد ﷺ أن الإصلاح يبدأ من الإنسان، ثم الأسرة، ثم المجتمع؛ وأن الدولة القوية لا تقوم فقط على المؤسسات ، وإنما على الثقة والعدل والمسؤولية والانتماء.

ولذلك فإن حب النبي ﷺ لا يكتمل بكثرة الحديث عنه ، وإنما بظهور أثره في سلوكنا.

أن تكون أمينًا حين تستطيع الخيانة.

وأن تكون رحيمًا حين تستطيع القسوة.

وأن تعدل حين يكون الظلم أسهل.

وأن تعمل حين يكون الكلام أكثر راحة.

وأن تحافظ على أسرتك ومجتمعك ووطنك حين يصبح التفكك لغة العصر.

هذه هي روح المولد.

فمولد النبي محمد ﷺ كان ميلادًا للضمير قبل أن يكون ميلادًا للحضارة؛ وحين استقام الضمير، أمكن للإنسان أن يبني مجتمعًا، وللمجتمع أن يبني دولة، وللدولة أن تحمل رسالة.

ومن هنا، فإن أعظم ما نحتاج إليه اليوم ليس أن نستعيد الماضي كما كان، وإنما أن نستعيد الروح التي صنعت الماضي.

نحن لا نحتفل بمولد أمة انتهى دورها ، بل نستذكر أمة ما زالت تحمل مسؤولية تاريخية : أن تكون شاهدة بالعدل، حافظة للإنسان، متمسكة بجذورها ، وقادرة على التجدد دون أن تفقد ذاتها.

عيد المولد النبوي هو ، في جوهره ، عيد ميلاد المعنى ؛ وعندما يولد المعنى في الإنسان، تولد الأمة من جديد.

فصلّى الله وسلّم وبارك على من كان مولده رحمة ، وسيرته هداية ، ورسالته بناءً للإنسان، ومشروعًا خالدًا لأمةٍ لا ينبغي أن تنسى لماذا وُلدت.

لهذا يعد عيد المولد النبوي الشريف … عيد مولد أم بأسرها ماضيها و مستقبلها.

حمى الله الاردن من كل كرية