جرش هذا العام .. ليس مهرجاناً بل بيان دولة (من وسط الحدث)

جرش هذا العام .. ليس مهرجاناً بل بيان دولة (من وسط الحدث)

ليست كل المهرجانات سواء، وليست كل الافتتاحات متشابهة، فهناك مناسبات تُقاس بعدد الحضور، وأخرى تُقاس بحجم الرسائل التي تحملها، من هذا المنطلق، فإن افتتاح مهرجان جرش هذا العام لا يمكن قراءته باعتباره مجرد فعالية ثقافية اعتادت عليها الأجندة الأردنية، بل هو حدث يكتسب رمزية وطنية تتجاوز الفن، وتلامس السياسة، والاقتصاد، والأمن، وصورة الدولة.

فالأردن لا يفتتح مهرجانه هذا العام في محيط هادئ، بل وسط إقليم يغلي بالحروب، وتتعاقب فيه الأزمات، وتُغلق فيه الحدود أحياناً، وتتأثر حركة الطيران والسياحة، وتعيش شعوب المنطقة حالة قلق وترقب، وفي مثل هذه المناخات يصبح مجرد استمرار الحياة رسالة بحد ذاتها، ويصبح اجتماع الناس حول الكلمة الجميلة واللحن الأصيل إعلاناً بأن هذا الوطن اختار الحياة، لا الاستسلام للخوف.

ولذلك، فإن جرش هذا العام ليس حفلاً فنياً، بل بيان دولة؛ بيان يقول إن الأردن ما يزال مستقراً، وإن مؤسساته تعمل، وإن ثقافته لم تتراجع أمام ضجيج المدافع، وإن الهوية الوطنية لا تُحمى بالسلاح وحده، بل تُحمى أيضاً بالكتاب، والمسرح، والقصيدة، والأغنية.

لقد أثبت التاريخ أن الدول الواثقة بنفسها لا تُلغي الحياة كلما اشتدت الأزمات، بل تتمسك بها أكثر. فالثقافة ليست ترفاً يُمارس في أوقات الرخاء، وإنما هي أحد أعمدة الصمود الوطني، والأمم التي تتخلى عن ثقافتها في زمن الأزمات، تمنح خصومها نصراً معنوياً مجانياً، أما الأمم التي تواصل الغناء والإبداع، فإنها تعلن أن إرادتها ما تزال أقوى من الخوف.

ومن بين أعمدة جرش الشامخة، يبدو المشهد أكثر عمقاً، فهذه المدينة التي عبرتها حضارات متعاقبة، ونجت من الحروب والزلازل وتقلبات الزمن، تقف اليوم شاهدة على رسالة جديدة، مفادها أن الأردن، كما حافظ على إرثه الحضاري، قادر أيضاً على حماية حاضره ومستقبله.

قد يختلف الناس حول بعض تفاصيل المهرجان، أو حول أسماء الفنانين، أو حجم الإنفاق، وهذا أمر طبيعي في أي مجتمع حي، لكن ما يصعب الاختلاف عليه هو أن استمرار الأردن في إقامة حدث ثقافي بهذا الحجم، في هذا التوقيت تحديداً، يحمل دلالة تتجاوز المسرح والجمهور. إنه تعبير عن ثقة الدولة بنفسها، وعن إيمانها بأن الأمن لا يعني غياب الخطر فقط، بل يعني أيضاً استمرار المدارس، الجامعات، الأسواق، المطارات، المهرجانات، وكل مظاهر الحياة.

إن الدول لا تُقاس فقط بعدد دباباتها وطائراتها، بل تُقاس أيضاً بقدرتها على أن تجعل مواطنيها يعيشون حياتهم بصورة طبيعية، رغم العواصف التي تضرب محيطهم. وهذه هي الرسالة التي يبعثها جرش اليوم.

سيبقى مهرجان جرش عنواناً للثقافة، لكن افتتاحه هذا العام يضيف إلى ذلك عنواناً آخر لا يقل أهمية: أن الأردن، بقيادته وشعبه ومؤسساته، لا يسمح للأزمات الإقليمية أن تسرق منه حقه في الحياة، ولا أن تنتزع منه صورته كدولة آمنة، مستقرة، واثقة بنفسها، تعرف كيف تجمع بين حماية الحدود وصناعة الجمال.

وهكذا، فإن أول أمسية في جرش ليست مجرد بداية لمهرجان، بل هي افتتاح لفكرة أكبر: أن الثقافة، حين تُقام في زمن القلق، تصبح فعلاً وطنياً، ورسالة سيادية، وإعلاناً بأن هذا الوطن ماضٍ في طريقه، مهما اشتدت العواصف من حوله.