أعرب مهندس البرمجيات الأمريكي أزا راسكين، مبتكر تقنية التمرير اللانهائي، عن ندمه الشديد لاختراعه الذي انتشر بشكل واسع في تصميم واجهات منصات التواصل الاجتماعي والمتاجر الإلكترونية والمواقع الإخبارية، وذلك بعد أن أدرك الأضرار النفسية التي تسببت بها هذه التقنية للمستخدمين من مختلف الأعمار.
ورغم أن راسكين ابتكر تقنية التمرير اللانهائي بنية حسنة لمساعدة المستخدمين وتوفير وقتهم، إلا أنها تحولت إلى أداة تسبب الإدمان وتزيد من التفاعل السلبي مع المحتوى، حسب ما ذكرته صحيفة "صنداي تايمز" البريطانية.
الطريق الى الجحيم ممهد بالنوايا الحسنة
وأوضح راسكين أن الهدف الأساسي من التمرير اللانهائي كان تسهيل وصول المستخدمين إلى المعلومات دون الحاجة إلى الضغط على أزرار أو تحديث الصفحات، مشيرا إلى أن المستخدم يمكنه ببساطة التمرير إلى أسفل الصفحة ليجد المزيد من المحتوى يظهر باستمرار.
وقد اختار راسكين مشاركة هذه التقنية كمصدر مفتوح مع شركات مثل "غوغل" و"تويتر" في بداية ظهور منصات التواصل الاجتماعي، بدلا من تسجيلها كبراءة اختراع.
وبحلول عام 2013، بدأ راسكين يدرك حجم الخطأ الذي ارتكبه، وكيف تحولت تقنيته إلى سلاح يستخدم ضد المستخدمين، ويبقيهم ملتصقين بشاشات هواتفهم.
واكد راسكين، خلال ظهوره في برنامج إذاعي بشبكة "إن بي آر" الأمريكية، أن الرؤساء التنفيذيين لكبرى الشركات على علم بمخاطر التمرير اللانهائي، لكنهم اختاروا استخدامه لتحقيق الأرباح.
واضاف قائلا: "الحوافز تغلب النوايا"، في إشارة إلى أن اهتمام منصات التواصل الاجتماعي بالأرباح يفوق اهتمامها بالنية الأساسية لتطوير التقنية أو تأثيرها على المجتمع.
وفي عام 2018، شارك راسكين في تأسيس مركز التكنولوجيا الإنسانية (CHT)، وهي منظمة غير ربحية تهدف إلى معالجة الأضرار الناتجة عن تصميمات شركات التكنولوجيا الكبرى، مثل التمرير اللانهائي والموجزات الخوارزمية.
وبينت أبحاث المركز أن التمرير اللانهائي يزيد من تفاعل المستخدمين مع المحتوى بنحو ثلاث مرات، موضحا أنه بدون هذه التقنية، ربما لم يكن هناك ما يعرف بالتمرير السلبي، وهو التصفح القهري للمحتوى السلبي على وسائل التواصل الاجتماعي.
وفي محاولة للحد من انتشار التمرير اللانهائي، تواصل راسكين وزملاؤه مع شركات التكنولوجيا الكبرى وقدموا إحاطات للمسؤولين في أمريكا وأعدوا دورات تدريبية، كما شهد راسكين ضد شركة ميتا في قضية رفعت أمام محكمة نيو مكسيكو، والتي أدانت الشركة بتهمة تعريض الأطفال للخطر وأمرتها بدفع 375 مليون دولار للولاية.
تقنية ساهمت في نجاح منصات التواصل الاجتماعي
وكشفت حلقة "إن بي آر" أن شركات التكنولوجيا لم تكتف بتصميم راسكين، بل عملت على تحسينه وإضافة مزايا أخرى، مثل التشغيل التلقائي لمقاطع الفيديو، لزيادة جذب انتباه المستخدمين.
وتعتبر تقنية راسكين أساسا لظاهرة نفسية جديدة تسمى التمرير السلبي أو "دوم سكرولينغ"، حيث ينخرط المستخدم في تصفح قهري للمحتوى السلبي دون القدرة على التوقف.
وتساهم هذه التقنيات في جعل المستخدمين ملتصقين بشاشاتهم، وهو هدف منصات التواصل الاجتماعي التي تحقق أرباحها من خلال عرض الإعلانات.
ويؤكد راسكين في حديثه مع "صنداي تايمز" أن مصلحة منصات التواصل الاجتماعي تقتضي بقاء المستخدمين ملتصقين بشاشاتهم لأطول فترة ممكنة، مبينا: "إن لم تكن موجودا فلن تتمكن من التأثر ولن يمكنهم تحقيق مكاسب مادية من ورائك".
اثار نفسية ممتدة
وبين تقرير لشبكة "سي إن بي سي" الإخبارية أن تقنية التمرير اللانهائي وظاهرة التمرير السلبي تسببت في أضرار نفسية كبيرة لمستخدمي منصات التواصل الاجتماعي.
واضاف التقرير أن هذه التقنيات أدت إلى ظهور ظاهرة نفسية جديدة تسمى "دماغ الفشار"، بالإضافة إلى ظاهرة العفن الدماغي.
ويوضح تقرير "سي إن بي سي" أن "دماغ الفشار" هي الحالة التي يعتاد فيها الدماغ على التدفق المستمر للمعلومات المثيرة، مما يجعل الابتعاد عن الأجهزة أمرا صعبا، ويتسبب في قفز الأفكار والانتباه بشكل سريع ومستمر.
وتجعل هذه الحالة المهام اليومية التقليدية مملة للغاية بسبب غياب المكافأة الفورية.
ويربط الدكتور بايبينغ تشين، طبيب الأعصاب في مؤسسة "هنري فورد هيلث"، بين التمرير اللانهائي ونظام الدوبامين في الدماغ، مشيرا إلى أن تأثيره يشبه تأثير القمار، حيث لا يعرف المستخدم ما سيظهر أمامه في الخطوة التالية، مما يؤثر على الدوبامين ويجعله يستمر في التمرير أملا في العثور على محتوى ممتع.
ومن جهتها، تؤكد الدكتورة أديتي نيروركار من جامعة هارفارد أن التمرير اللانهائي ليس نتيجة ضعف الشخص أو تلف دماغه، بل هو نتيجة "رغبة بدائية غير مفيدة للتمرير" استغلتها الشركات التقنية في تصميم التقنية.
اثر اكثر خطورة على الاطفال
ويشير تقرير "صنداي تايمز" إلى أن تأثير التمرير اللانهائي أكثر خطورة على الأطفال، حيث يمكن أن يؤدي إلى تأخر نمو القشرة الأمامية، وهي الجزء المسؤول عن تنظيم العواطف والتحكم فيها.
ويتسبب ذلك في جعل الأطفال غير مرتاحين للقيام بالوظائف الأساسية مثل تناول الطعام أو التحدث إلى الآخرين، بالإضافة إلى زيادة المشكلات الصحية العقلية مثل القلق والاكتئاب واضطرابات الأكل والأفكار الانتحارية.
وينصح الدكتور سانجيف نيتشاني، استشاري طب الأطفال في مستشفى ليستر للأطفال، الآباء باتخاذ خطوات تدريجية لفصل أطفالهم عن الإنترنت، مثل منعهم من استخدام الهواتف فور الاستيقاظ من النوم وتقليل الاستخدام تدريجيا، بالإضافة إلى ممارسة الأنشطة البدنية بانتظام.





