أصبحت تطبيقات الشبكات الخاصة الافتراضية VPN جزءا لا يتجزا من حياة الملايين حول العالم، خصوصا مع تزايد المخاوف من التجسس الرقمي، وحجب المواقع، وتتبع الإعلانات، واختراق البيانات.
وتسوق هذه التطبيقات نفسها على أنها درع الخصوصية الذي يخفي هوية المستخدم ويحميه من المراقبة، لكن السؤال المطروح هو من يراقب تطبيق VPN نفسه؟
عاد هذا السؤال إلى الواجهة بعد تقارير تقنية وإعلامية متعددة تتحدث عن المخاطر المرتبطة ببعض تطبيقات VPN، خاصة المجانية منها، وإمكانية تحولها من أدوات حماية إلى أدوات مراقبة تجمع البيانات وتعيد بيعها أو تسليمها لجهات أخرى.
كيف يعمل VPN؟
عند استخدام VPN، يتم إنشاء نفق مشفر بين جهاز المستخدم وخادم الشركة المزودة للخدمة، وبدلا من أن يرى مزود الإنترنت أو شبكات الواي فاي العامة المواقع التي تزورها، تصبح حركة الإنترنت مشفرة وموجهة عبر خادم VPN.
وتقنيا، هذا يعني أن مزود خدمة VPN يصبح وسيطا رئيسيا لكل نشاطك على الإنترنت، أي أن الشركة المشغلة للخدمة قد تتمكن نظريا من رؤية عنوان بروتوكول الإنترنت IP الحقيقي الخاص بك، والمواقع والخدمات التي تتصل بها، ومدة الاتصال، وبيانات الجهاز، وحجم استهلاك الإنترنت، وسجلات الاتصال.
وتشير تقارير تقنية إلى أن بعض خدمات VPN تحتفظ بالفعل بما يعرف بسجلات الاتصال Connection Logs، وهي سجلات تتضمن بيانات تقنية عن المستخدمين والاتصالات.
سياسة عدم الاحتفاظ بالسجلات.. حقيقة ام مجرد شعار تسويقي؟
تعتمد معظم شركات VPN على عبارة عدم الاحتفاظ بالسجلات No-Logs Policy كأداة تسويقية أساسية، لكن الخبراء يؤكدون أن هذا المصطلح ليس دائما واضحا كما يبدو.
ووفقا لتقرير نشره موقع تيك رادار TechRadar البريطاني، فإن كثيرا من خدمات VPN التي تعلن عدم الاحتفاظ بالسجلات ما تزال تجمع بعض البيانات التقنية مثل أوقات الاتصال واستهلاك البيانات ومعلومات الأجهزة، بحجة تشغيل الخدمة وتحسين الأداء.
وتوضح تقارير متخصصة أخرى أن هناك فرقا بين No Logs، أي تقليل السجلات قدر الإمكان، وZero Logs أي عدم الاحتفاظ بأي بيانات إطلاقا.
لكن المشكلة أن المستخدم العادي غالبا لا يستطيع التحقق بنفسه مما إذا كانت الشركة تلتزم فعلا بهذه الوعود أم لا، ولهذا أصبح التدقيق الأمني المستقل معيارا مهما للحكم على مصداقية شركات VPN.
تطبيقات مجانية.. لكن المستخدم هو المنتج الحقيقي
واحدة من أكبر المشكلات في عالم VPN تتعلق بالخدمات المجانية، فالبنية التحتية لخوادم VPN مكلفة للغاية، مما يدفع كثيرا من التطبيقات المجانية إلى البحث عن مصادر دخل بديلة.
وبحسب تقارير تقنية متعددة، فإن بعض هذه التطبيقات تحقق أرباحها من خلال بيع بيانات المستخدمين لشركات الإعلانات، وجمع معلومات التصفح، وتحليل سلوك المستخدمين، ومشاركة البيانات مع أطراف ثالثة.
ويحذر خبراء الخصوصية من أن المستخدم عندما لا يدفع مقابل الخدمة، فقد يصبح هو المنتج الذي يتم استغلال بياناته تجاريا.
كما أظهرت دراسات أكاديمية أن نسبة كبيرة من التطبيقات لا توضح بشكل شفاف نوع البيانات التي تجمعها فعلا، فدراسة منشورة على منصة أركايف arXiv حللت سياسات الخصوصية لـ 1000 تطبيق أندرويد، ووجدت أن 67.6% من التطبيقات كانت تسرب بيانات حساسة غير مذكورة بوضوح في سياسات الخصوصية.
هل تستطيع الحكومات مراقبة مستخدمي VPN؟
رغم أن VPN يستخدم غالبا للتهرب من الرقابة، فإن الحكومات نفسها قد تفرض رقابة على شركات VPN.
ففي بعض الدول، تلزم القوانين مزودي الخدمة بالاحتفاظ بالسجلات لفترات زمنية محددة أو تسليم البيانات للجهات الأمنية عند الطلب، وهذا يعني أن الخصوصية التي يعد بها التطبيق قد تكون مرتبطة بالقوانين المحلية للدولة التي يقع فيها مقر الشركة.
وفي كندا مثلا، أثار مشروع قانون حديث جدلا واسعا بعد مطالبته بخيارات تسمح للحكومات بالوصول إلى البيانات المشفرة والاحتفاظ ببعض السجلات الرقمية، ما دفع شركات VPN معروفة للاعتراض علنا على هذه التوجهات.
كما أن إنفاذ القانون أصبح يستهدف بعض خدمات VPN المرتبطة بالأنشطة الإجرامية، ففي مايو/أيار 2024 أعلنت يوروبول Europol تفكيك خدمة فيرست في بي إن First VPN بعد اتهامات باستخدامها في هجمات فدية إلكترونية واسعة النطاق.
الثقة.. المشكلة الأكبر
المعضلة الأساسية في خدمات VPN هي أن المستخدم ينقل ثقته من مزود الإنترنت إلى شركة VPN نفسها، وتصف تقارير متخصصة هذه الحالة باسم مفارقة نقل الثقة Trust Shift Paradox، حيث يظن المستخدم أنه تخلص من المراقبة، بينما يكون قد سلم بياناته ببساطة إلى جهة أخرى.
وفي نقاشات واسعة على ريديت Reddit، عبر مستخدمون وخبراء عن تشككهم في إمكانية التحقق الكامل من ادعاءات عدم الاحتفاظ بالسجلات، معتبرين أن الكثير من هذه الوعود يعتمد على الثقة أكثر من الأدلة التقنية.
كيف تختار VPN موثوقا؟
يؤكد خبراء الأمن السيبراني أن اختيار تطبيق أو خدمة في بي إن يجب ألا يعتمد على عدد التحميلات أو الإعلانات المبهرة فقط، بل على معايير تقنية وقانونية واضحة، أهمها:
1. وجود تدقيق أمني مستقل
الشركات الموثوقة تخضع لاختبارات وتدقيقات أمنية من جهات خارجية مثل ديلويت Deloitte أو بي دبليو سي PwC أو كيور 53 Cure53 للتحقق من سياسات عدم الاحتفاظ بالسجلات.
2. معرفة مقر الشركة
القوانين تختلف من دولة لأخرى، بعض الدول تفرض مشاركة البيانات مع الحكومات، بينما توفر دول أخرى حماية قانونية أكبر للخصوصية.
3. قراءة سياسة الخصوصية
يجب الانتباه لعبارات مثل:
- البيانات التشخيصية Diagnostic Data
- إحصاءات الاستخدام Usage Statistics
- بيانات الاتصال الوصفية Connection Metadata
فهذه المصطلحات قد تعني أن التطبيق يحتفظ ببيانات أكثر مما يعتقد المستخدم.
4. تجنب الإضافات المشبوهة
بعض إضافات الـ VPN للمتصفحات قد تمتلك صلاحيات واسعة تسمح بمراقبة النشاط داخل المتصفح نفسه.
5. الحذر من التطبيقات المجانية غير المعروفة
خصوصا تلك التي لا تكشف بوضوح عن الشركة المالكة أو مصادر التمويل أو نتائج التدقيق الأمني.
هل VPN عديم الفائدة؟
الإجابة لا؛ فالـ VPN ما يزال أداة مهمة لتحسين الخصوصية، خصوصا عند استخدام شبكات الواي فاي العامة أو تجاوز القيود الجغرافية أو تقليل تتبع مزودي الإنترنت.
لكن المشكلة تكمن في الاعتقاد الخاطئ بأنه يوفر إخفاء كاملا أو حصانة مطلقة من المراقبة، فالواقع أكثر تعقيدا، والخصوصية الرقمية لا تعتمد على أداة واحدة فقط، بل على مجموعة ممارسات تشمل:
- استخدام كلمات مرور قوية
- تفعيل المصادقة الثنائية
- تحديث الأنظمة باستمرار
- استخدام متصفحات تحترم الخصوصية
- الحذر من الروابط والتطبيقات المشبوهة
ويؤكد الخبراء أن تطبيقات الـ VPN ليست شريرة بطبيعتها، لكنها أيضا ليست حلولا سحرية؛ فعندما تستخدم VPN فأنت لا تختفي من الإنترنت، بل تنقل ثقتك من جهة إلى أخرى.





