تشهد العلاقات الاقتصادية بين الاتحاد الأوروبي والصين تحولات كبيرة تتسم بالتعقيد والحساسية مع تصاعد الخلافات التجارية والتكنولوجية بين الطرفين. تحاول أوروبا تقليل اعتمادها الاقتصادي على الصين دون الوصول إلى قطيعة كاملة بينما تسعى الصين إلى حماية أسواقها وتعزيز نفوذها التجاري في القارة الأوروبية في ظل تزايد الحمائية والتوترات الجيوسياسية.
وكشفت بروكسل عن توجه جديد لتوسيع أدوات الدفاع التجاري ضد الصين ويشمل ذلك زيادة الرسوم الجمركية وحصص الاستيراد والقيود التنظيمية بهدف حماية القطاعات الأوروبية التي تعتبرها مهددة بالمنافسة الصينية المدعومة حكوميا خاصة في مجالات التكنولوجيا النظيفة والمعادن والكيماويات والصلب والسيارات الكهربائية.
وقال ستيفان سيجورنيه مفوض الصناعة في الاتحاد الأوروبي إن الهدف ليس الانفصال عن الصين بل تحقيق توازن حقيقي في العلاقات الاقتصادية. واكد أن الاتحاد الأوروبي سيكثف استخدام أدواته التجارية لحماية صناعاته مما وصفه بالمنافسة غير العادلة.
وجاءت هذه التصريحات قبل اجتماع خاص لمفوضي الاتحاد الأوروبي لمناقشة مستقبل العلاقة مع الصين مما يشير إلى أن بروكسل تتجه نحو تبني سياسة أكثر تشددا تجاه بكين خاصة بعد اتساع الفوائض التجارية الصينية مع أوروبا في السنوات الأخيرة.
واضاف أن الصين أصبحت الشريك التجاري الأكبر أو الثاني لمعظم الاقتصادات الأوروبية لكن هذا التقارب الاقتصادي ترافق مع تنامي القلق داخل القارة من الاعتماد المفرط على الواردات الصينية في قطاعات استراتيجية مثل البطاريات والطاقة الشمسية والمعادن النادرة والتكنولوجيا. وبين أن الحكومات الأوروبية تخشى من أن الدعم الحكومي الصيني الواسع للشركات المحلية يمنحها أفضلية تنافسية يصعب على الشركات الأوروبية مجاراتها خاصة في الصناعات الخضراء التي تراهن عليها أوروبا لتحقيق تحولها الاقتصادي والبيئي.
تجنب المواجهة الشاملة
لكن في المقابل لا تبدو أوروبا مستعدة للدخول في مواجهة اقتصادية شاملة مع الصين على غرار الولايات المتحدة فالأوروبيون يدركون أن اقتصادهم لا يزال مرتبطا بشكل عميق بالسوق الصينية سواء من حيث التجارة أو الاستثمار أو سلاسل الإمداد. ولهذا تبنت بروكسل خلال العامين الماضيين استراتيجية تقليل المخاطر بدلا من فك الارتباط أي محاولة تقليص الاعتماد على الصين في القطاعات الحساسة دون التضحية بالعلاقات التجارية الواسعة معها.
غير أن بكين تنظر إلى هذه السياسة باعتبارها شكلا من أشكال الحمائية المقنعة فقد اتهمت وزارة الخارجية الصينية الاتحاد الأوروبي بانتقاء البيانات لتبرير مزاعم اختلال التوازن التجاري معتبرة أن بروكسل تستخدم الأرقام بطريقة تؤدي مسبقا إلى استنتاج وجود خلل في العلاقات الاقتصادية.
وقالت المتحدثة باسم الخارجية الصينية ماو نينغ إن الصين لم تسع قط عمدا لتحقيق فائض تجاري مع أوروبا. واضافت أن إجراءات الاتحاد الأوروبي الرامية إلى تقليل المخاطر ليست سوى أشكال من الحمائية التجارية التي تضر بالمستهلكين الأوروبيين وترفع التكاليف وتضعف القدرة التنافسية للصناعات الأوروبية نفسها كما حذرت بكين من أنها ستتخذ كل الإجراءات اللازمة لحماية مصالحها التجارية في إشارة إلى احتمال تصعيد النزاع التجاري إذا مضت أوروبا في توسيع القيود على الواردات الصينية.
ويعكس هذا السجال المتصاعد حقيقة أن العلاقة الاقتصادية بين الصين وأوروبا أصبحت قائمة على مزيج معقد من التعاون والتنافس والصراع في آن واحد فمن جهة تحتاج أوروبا إلى السوق الصينية الضخمة للحفاظ على صادراتها ونمو شركاتها الصناعية الكبرى خاصة شركات السيارات الفاخرة والمنتجات الصناعية والسلع الاستهلاكية ومن جهة أخرى تخشى القارة من فقدان جزء من قاعدتها الصناعية لصالح المنتجات الصينية الأرخص والأكثر دعما.
وتبرز هذه المخاوف بوضوح في قطاع الصلب حيث دخل الطرفان بالفعل في مفاوضات داخل منظمة التجارة العالمية بشأن القيود الجديدة التي فرضها الاتحاد الأوروبي على واردات الصلب المعفاة من الرسوم الجمركية وقالت وزارة التجارة الصينية إن الإجراءات الأوروبية ستؤثر على تجارة الصلب الثنائية واستقرار سلاسل الإمداد العالمية مؤكدة أن بكين تأمل التوصل إلى نتيجة تحقق المنفعة للطرفين عبر المفاوضات.
حلقات ممتدة
لكن الصلب ليس سوى جزء من صراع أوسع يمتد إلى التكنولوجيا والاستثمار والتجارة الرقمية والطاقة النظيفة وفي هذا السياق فرض الاتحاد الأوروبي أخيرا غرامة ضخمة على منصة التجارة الإلكترونية الصينية تيمو بلغت 200 مليون يورو بسبب ما وصفه المنظمون الأوروبيون بفشل الشركة في الحد من بيع منتجات غير قانونية داخل السوق الأوروبية كما تواصل بروكسل تحقيقاتها بشأن ما إذا كانت خوارزميات المنصة وأساليب الترويج عبر المؤثرين تزيد مخاطر بيع منتجات ضارة أو مخالفة للقوانين الأوروبية وتعد هذه القضية جزءا من توجه أوروبي أوسع لفرض قواعد أكثر صرامة على الشركات الرقمية الصينية والأميركية على حد سواء ضمن إطار قانون الخدمات الرقمية الأوروبي الذي يمنح بروكسل صلاحيات أوسع لتنظيم المنصات الكبرى.
وفي الوقت نفسه فتحت المفوضية الأوروبية تحقيقا معمقا بشأن عرض شركة جيه دي دوت كوم الصينية للاستحواذ على مجموعة سيكونومي الألمانية المالكة لسلسلتي ميديا ماركت وساتورن للاشتباه في استفادة الشركة الصينية من دعم حكومي يمنحها أفضلية غير عادلة داخل السوق الأوروبية.
ويعكس هذا التحقيق اتجاها أوروبيا متزايدا للتشدد تجاه الاستثمارات الصينية خاصة بعد دخول قواعد جديدة حيز التنفيذ عام 2023 لمواجهة ما تعتبره بروكسل منافسة غير عادلة من شركات أجنبية مدعومة حكوميا كما يعكس تصاعد القلق الأوروبي من النفوذ الاقتصادي الصيني في القطاعات الحساسة خاصة التكنولوجيا والبنية التحتية والطاقة.
المصالح تتحكم
لكن رغم كل هذه التوترات لا تزال المصالح الاقتصادية المتبادلة تمنع انهيار العلاقة بالكامل فالصين بحاجة إلى السوق الأوروبية لتصريف جزء كبير من صادراتها الصناعية خاصة مع تباطؤ الطلب العالمي وتزايد الضغوط التجارية الأميركية وفي المقابل تحتاج أوروبا إلى الحفاظ على تدفق السلع والمواد الخام الصينية خاصة المعادن النادرة والمكونات الصناعية والتكنولوجية التي يصعب استبدالها سريعا ولهذا تبدو العلاقة الحالية أقرب إلى تنافس منظم منه إلى حرب اقتصادية مفتوحة فالجانبان يحاولان إعادة رسم قواعد العلاقة التجارية بما يحقق حماية أكبر لمصالحهما الاستراتيجية دون التضحية بالمكاسب الاقتصادية الضخمة التي راكماها خلال عقود من الانفتاح التجاري كما أن الحرب الإيرانية والاضطرابات الجيوسياسية العالمية تضيف بعدا جديدا لهذه العلاقة إذ تدفع أوروبا إلى البحث عن تنويع سلاسل الإمداد وتقليل المخاطر بينما تحاول الصين الحفاظ على استقرار تجارتها الخارجية وسط بيئة عالمية أكثر انقساما وحمائية.
وفي المحصلة تبدو أوروبا والصين اليوم أمام مرحلة جديدة من العلاقات الاقتصادية تقوم على معادلة دقيقة شراكة تجارية ضخمة لا يمكن الاستغناء عنها بسهولة يقابلها تنافس استراتيجي متصاعد على التكنولوجيا والصناعة والنفوذ الاقتصادي.
ولهذا فإن مستقبل العلاقة بين الطرفين لن يتحدد فقط بحجم التجارة أو الرسوم الجمركية بل بقدرة كل منهما على إدارة هذا التوازن المعقد بين التعاون الاقتصادي والصراع على المصالح في عالم يتجه تدريجيا نحو مزيد من الانقسام الاقتصادي والجيوسياسي.





