صعود التضخم يربك الفيدرالي الامريكي وتوقعات برفع الفائدة

صعود التضخم يربك الفيدرالي الامريكي وتوقعات برفع الفائدة

شهد مجلس الاحتياطي الفيدرالي وأسواق المال العالمية صدمة قوية مع تسارع التضخم وارتفاع مؤشر أسعار نفقات الاستهلاك الشخصي الى 3.8 في المائة على أساس سنوي، مسجلا أعلى مستوياته منذ ثلاث سنوات، مقارنة بنحو 3.5 في المائة في مارس الماضي، وتعكس هذه البيانات الصادرة عن وزارة التجارة الأميركية ضغوطا مالية تحاصر المستهلك الأميركي بفعل ارتفاع أسعار البنزين والمواد الغذائية وصدمات هيكلية متداخلة.

وجاءت قفزة التضخم مدفوعة بارتفاع أسعار الطاقة، حيث قفزت أسعار التجزئة الوطنية للبنزين بنسبة 12.3 في المائة في ابريل وحده، لتتجاوز مكاسبها حاجز الـ50 في المائة منذ اندلاع الحرب مع إيران في 28 فبراير الماضي وما تلاها من اضطرابات ملاحية في مضيق هرمز.

وتتزامن هذه الصدمة الجيوسياسية مع الآثار المستمرة للتعريفات الجمركية التي فرضتها الإدارة الامريكية، ما دفع مؤشر التضخم الأساسي إلى الارتفاع بدوره إلى 3.3 في المائة على أساس سنوي مقارنة بـ3.2 في المائة في الشهر السابق.

وتفرض هذه البيئة التضخمية مأزقا سياسيا للرئيس الامريكي قبل انتخابات التجديد النصفي للكونجرس في نوفمبر المقبل، إذ أظهر استطلاع تراجعا ملحوظا في شعبيته بسبب إحباط الناخبين من معالجته للملف الاقتصادي وعجزه عن الوفاء بوعده الانتخابي بكبح جماح الأسعار.

انقسام داخل الفيدرالي حول السياسة النقدية

وفي غضون ذلك، كشفت تصريحات صناع السياسة النقدية عن انقسام حاد وتوجه متشدد داخل مجلس المحافظين، ما يمثل تحديا لرئيس الاحتياطي الفيدرالي الجديد.

واعلن نائب رئيس الفيدرالي أن مرونة سوق العمل الأميركية في مواجهة صدمة الطاقة تمنح البنك الضوء الأخضر للتركيز على لجم التضخم وإعادته إلى مستهدفه البالغ 2 في المائة، وأشار إلى أن البنك المركزي يراقب تأثيرات الجولة الثانية المرتبطة بصدمات العرض وقوة الطلب الاستثماري، مؤكدا أن الإعداد الحالي للفائدة في نطاق 3.50 في المائة - 3.75 في المائة يعد مناسبا دون استباق قرار اجتماع يونيو الحاسم.

وابدت المحافظة ليزا كوك نبرة أكثر تشددا، معلنة استعدادها للتصويت لصالح رفع أسعار الفائدة إذا لم يظهر التراجع المتوقع في الأسعار في الوقت المناسب، محذرة من خطورة ترسخ التضخم في سلوك الأجور والأسعار بعد خمس سنوات من بقائه فوق المستهدف.

صمود سوق العمل وتحديات هيكلية

وفي تعزيز لرؤية قادة الاحتياطي الفيدرالي حول متانة قطاع التشغيل، أظهرت بيانات وزارة العمل الأميركية ارتفاعا طفيفا في عدد الأميركيين المتقدمين بطلبات جديدة للحصول على إعانات البطالة الحكومية بمقدار 5000 طلب، ليصل الإجمالي إلى 215 ألفا للأسبوع المنتهي في 23 مايو، وهو رقم قريب جدا من التوقعات، ما يعكس انخفاضا نسبيا في عمليات التسريح الإجمالية على الرغم من أجواء الحرب والتوترات التجارية المستمرة مع إيران.

وباستثناء موجات التسريح التي نفذتها شركات تكنولوجيا كبرى لإعادة هيكلة استثماراتها، تشير الأرقام الرسمية إلى استقرار متوقع لمعدل البطالة العام عند مستويات 4.3 في المائة لشهر مايو، ومع ذلك، تكشف البيانات عن تحديات هيكلية، إذ واجه خريجو الجامعات الجدد سوق عمل صعبة دفعت مؤشر مجلس المؤتمرات لثقة الأسر لإظهار تراجع في نسبة من يرون الوظائف وفيرة إلى أدنى مستوياتها منذ مطلع عام 2021، ما يشير إلى أن صمود سوق العمل العام لا يلغي الضغوط المتزايدة على الفئات الشابة والعمالة محدودة الخبرة.

تحذيرات من حمى الذكاء الاصطناعي

ولم تقتصر التحذيرات على قطاع الطاقة، بل امتدت لتشمل جبهة تكنولوجية غير متوقعة، إذ أطلق رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي في شيكاغو تحذيرا شديد اللهجة مفاده أن حمى استثمارات الذكاء الاصطناعي تعمق المعضلة التضخمية الحالية وتدفع باتجاه رفع الفائدة بدلا من خفضها.

ودحض غولسبي النظرية القائلة إن الذكاء الاصطناعي يمثل قوة كابحة للتضخم، وهي الرؤية التي يتبناها البعض استنادا إلى طفرة الكمبيوتر في التسعينات، وجادل غولسبي بأن التوقعات الهائلة بشأن الإنتاجية المستقبلية أطلقت حملة إنفاق استباقية محمومة على مراكز البيانات والرقائق وبرمجيات الذكاء الاصطناعي، ما تسبب في قفزة حادة في أسعار المواد وأجور عمال البناء قبل أن تتحقق طفرة الإنتاجية الفعلية على أرض الواقع، مؤكدا أن تزامن هذه الطفرة الاستثمارية الاستباقية مع صدمة النفط الإيرانية يجعل خطر حمى الاقتصاد أكثر تطرفا ويجبر الفيدرالي على إبقاء الفائدة مرتفعة حتى عام 2027.