هزت شركة النفط البريطانية العملاقة بي بي قرار مفاجئ بإقالة رئيس مجلس إدارتها ألبرت مانيفولد بأثر فوري، في خطوة تعكس أزمة استقرار مؤسسي متفاقمة داخل الشركة.
وتأتي هذه الإقالة في وقت بالغ الحساسية، حيث تسعى بي بي جاهدة للتعافي من سنوات من الأداء المالي المتعثر، وتفتح فصلا جديدا في سلسلة من التغييرات القيادية التي أثرت على الشركة.
وكشفت مصادر مطلعة أن مجلس إدارة بي بي صوت بالإجماع على عزل مانيفولد بسبب مخاوف جدية تتعلق بمعايير الحوكمة والإشراف والسلوك الشخصي، ما يزيد من حدة الاضطرابات التي تشهدها المجموعة.
وافصحت أماندا بلانك، من كبار المديرين المستقلين في بي بي، عن أن مجلس الإدارة فوجئ بخيبة أمل شديدة بعد علمه بوجود مشكلات تتعلق بالإشراف على الحوكمة والسلوك، مؤكدة أن هذه المشكلات غير مقبولة بتاتا، وأنه تم اتخاذ إجراءات حاسمة وقاطعة.
تداعيات الإقالة على الأسواق
وفور الإعلان عن القرار، تلقت أسواق المال الصدمة بقوة، حيث هوت أسهم بي بي في بورصة لندن بنحو 9 في المائة قبل أن تقلص خسائرها لاحقا لتغلق متراجعة بنحو 4 في المائة.
تفاصيل الإطاحة برئيس بي بي
ورغم أن البيانات الرسمية لم تكشف عن التفاصيل الدقيقة، بينت مصادر قريبة من الشركة أن قرار الطرد جاء عقب تلقي مجلس الإدارة شكاوى متعددة رصدت سلوكا إداريا يوصف بالعدائي والعدواني الحاد من قبل مانيفولد تجاه الموظفين والزملاء، فضلا عن اتهامات بإساءة إدارة المعلومات الحساسة ومحاولة تجاوز صلاحيات المجلس، إلى جانب استخدامه حسابات وأجهزة إلكترونية شخصية لإدارة أعمال الشركة الرسمية في خرق صريح لسياسات الامتثال المعتمدة.
وفي المقابل، نفى مانيفولد الاتهامات جملة وتفصيلا، مؤكدا أنه لم يتلق أي تحذير أو تلميح مسبق، ودافع عن خططه الرامية لخفض التكاليف وتبسيط المحفظة الاستثمارية، قائلا إنه ربما مارس ضغوطا قوية وتحدى أشخاصا بشكل مباشر بدافع إصراره على قيادة التغيير في التكاليف والأداء والميزانية العمومية، لكنه شدد على وجود فرق شاسع بين إدارة مؤسسة بحزم والصورة النمطية التي تروج لسلوكه حاليا.
وتحدى مانيفولد الشركة متسائلا عن كيفية اتهامه بمحاولة الهيمنة والعمل كرئيس تنفيذي فعلي في حين أنه لم يزر مقر الشركة في لندن سوى 13 يوما فقط منذ مطلع عام 2026، وأشار إلى تقشفه الشخصي قائلا إنه لم يكن مهتما بالطيران الخاص أو تذاكر مباريات الشركات، وإنه كان يصنع قهوته بنفسه ويشتري غداءه من المقهى المحلي ويجلس في مكتب صغير رافضا المكاتب الفاخرة للرؤساء السابقين، واختتم بيانه بالإعلان عن توكيل مكتب المحاماة الشهير ميشكون دي ريا لمقاضاة الشركة ومواجهة ما وصفه بالأكاذيب التي يختبئ أصحابها خلف جدار السرية.
تاريخ من الاضطرابات في بي بي
ويظهر تحليل أن ما يحدث في بي بي ليس مجرد سوء حظ عابر، بل هو انعكاس لأزمة هيكلية عميقة في كيفية إدارة مجلس الإدارة للقيادة، إذ عانت الشركة على مدار السنوات الماضية من اضطرابات مزمنة ارتبطت جلها بالأزمات.
إلا أن هذا الاستقرار انهار تماما في غضون السنوات الثلاث الأخيرة فقط، وهي الفترة التي شهدت الإطاحة بأربعة من كبار قادة المجموعة قسرا في تتابع سريع.
صندوق إليوت يتدخل
ويرى الخبراء أن الجدوى الاستثمارية لشركة بي بي قد تنجو من هذه التغييرات بفضل عاملين لا علاقة للإدارة الحالية بهما، الأول هو صندوق التحوط الأميركي الشرس إليوت إنفيستمنت مانجمنت الذي دخل بقوة على خط المساهمين وفرض استراتيجية صارمة تركز على ما يدر الأموال والتراجع عن الرهانات الخضراء غير المربحة التي تبنتها الشركة سابقا.
أما العامل الثاني فهو البيئة الجيوسياسية المشتعلة، إذ تسببت الحرب في تحليق أسعار خام برنت.
مستقبل بي بي
وبموجب هذه التطورات، أعلنت بي بي عن تعيين عضو مجلس الإدارة إيان تايلر رئيسا مؤقتا لمجلس الإدارة حتى اختيار بديل دائم، مؤكدة أن الاستراتيجية التشغيلية لن تتغير.
وفي المقابل، تخرج الرئيسة التنفيذية الجديدة ميغ أونيل الرابح الأكبر والوحيد من هذه الأزمة، حيث تخلصت من هيمنة مانيفولد وباتت الآن الحاكم المطلق للشركة بعد أن صوتت بنفسها لصالح قرار إقالته.
لكن أونيل تقف الآن وحيدة في مواجهة ضغوط صناديق التحوط، حيث أبلغت المستثمرين بأنها ستعلن عن مراجعتها الاستراتيجية الشاملة قريبا، وسيكون عليها اتخاذ قرارات مؤلمة وسريعة تشمل تسييل وإعادة هيكلة الأصول التي لا تتوافق مع العودة للنفط، إلى جانب إقرار تخفيضات حادة وواسعة في التكاليف تشمل تسريح مئات الموظفين وبيع أجزاء ضخمة من شبكة محطات الوقود التابعة لها حول العالم لجمع مليارات الدولارات وإعادتها للمساهمين.
وفي نهاية المطاف، فإن لغة الأرقام في أسواق المال لا تلتفت كثيرا للدراما الإدارية، وفجوة التقييم الحالية التي يتداول بها سهم بي بي قد تحول السهم إلى فرصة جاذبة للمستثمرين لإعادة الشراء وبناء المراكز، طالما أن طفرة أسعار النفط العالمية تضمن استمرار التدفقات النقدية القوية والتوزيعات السخية للمساهمين.





