عندما يذكر اسم سامسونغ يتبادر الى ذهن الكثيرين الهواتف الذكية والاجهزة الاستهلاكية المنزلية، لكن خلف هذه الصورة المعروفة، تعد الشركة الكورية الجنوبية واحدة من اهم الاعمدة التي يقوم عليها الاقتصاد الرقمي العالمي، الى درجة ان اي اضطراب كبير داخلها قد يتحول الى ازمة تمس الامن التقني والاقتصادي لدول باكملها.
واضافت الشركة ان الحديث عن سامسونغ ياتي بعدما هدد عشرات الالاف من الموظفين بتنفيذ اضراب واسع كان قد يعطل جزءا مهما من انتاج الرقائق والذاكرة الالكترونية التي يعتمد عليها العالم في الذكاء الاصطناعي والخوادم والهواتف والسيارات الذكية، وتتعلق المشكلة الاساسية بخلافات حادة بين الادارة والنقابات حول الاجور والمكافات وتقاسم الارباح، خاصة بعد الطفرة الهائلة التي حققتها الشركة من الطلب المتزايد على رقائق الذكاء الاصطناعي.
وبينت الشركة ان سامسونغ ليست مجرد مصنع الكترونيات، بل هي لاعب مركزي في صناعة اشباه الموصلات والذاكرة الرقمية والشاشات والبنية الاساسية التي تقوم عليها تطبيقات الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية والهواتف والسيارات الذكية وحتى الانظمة العسكرية الحديثة في الوقت الحالي.
من الهواتف الى القلب الالكتروني للعالم
واوضحت الشركة ان معظم الصناعات الرقمية الحديثة تعتمد على الرقائق الالكترونية وهي المكونات التي توصف غالبا بانها نفط العصر الرقمي، وتستخدم هذه الرقائق في كل شيء تقريبا كالهواتف والحواسيب والسيارات ومراكز البيانات والاقمار الصناعية والشبكات العسكرية واجهزة الذكاء الاصطناعي.
وفي هذا القطاع تحديدا، اكدت الشركة ان سامسونغ واحدة من اكثر الشركات نفوذا في العالم، فالشركة تعد من اكبر منتجي شرائح الذاكرة من نوع دي رام وناند عالميا، وهي مكونات اساسية لتشغيل مراكز البيانات وانظمة الذكاء الاصطناعي والخوادم والحواسيب والهواتف الذكية.
وتشير تقارير متخصصة الى ان 3 شركات فقط وهي سامسونغ واس كيه هاينكس الكورية وميكرون تكنولوجي الامريكية تسيطر على نحو 95% من سوق الذواكر العالمي.
واكدت الشركة ان هذا يعني ان اي خلل في انتاج سامسونغ قد يؤدي مباشرة الى ارتفاع اسعار الاجهزة الالكترونية عالميا او الى نقص في الامدادات يؤثر على شركات التكنولوجيا الكبرى.
لماذا ترتبط سامسونغ بالامن القومي؟
لم تعد الرقائق الالكترونية مجرد مكونات صناعية، بل اصبحت عنصرا استراتيجيا مرتبطا بالامن القومي للدول، حيث تؤكد تقارير مراكز الدراسات الامريكية ان اشباه الموصلات اصبحت عاملا حاسما في القوة الاقتصادية والعسكرية والتكنولوجية للدول الكبرى.
ولهذا السبب، بينت الشركة ان الولايات المتحدة والصين واوروبا دخلت في سباق عالمي محموم للسيطرة على سلاسل توريد الرقائق الالكترونية.
وفي هذا السياق، لفتت الشركة الى ان سامسونغ جزء حساس من توازن القوى العالمي، لانها واحدة من الشركات القليلة القادرة على تصنيع الرقائق المتقدمة بكميات ضخمة، كما انها تمثل البديل الاهم لشركة تي اس ام سي التايوانية في مجال تصنيع الرقائق المتقدمة.
واشارت الشركة الى ان خطورة الامر تكمن في ان العالم يعتمد فعليا على عدد محدود جدا من الشركات لانتاج اكثر التقنيات تقدما، ولذلك فان اي ازمة سياسية او اقتصادية او عمالية داخل هذه الشركات قد تتحول الى ازمة عالمية.
الذكاء الاصطناعي زاد من اهمية سامسونغ
مع انفجار تقنيات الذكاء الاصطناعي، تضاعفت اهمية شركات الرقائق الالكترونية، لان تشغيل النماذج الذكية يتطلب قدرات هائلة من الذاكرة والمعالجة.
وتوضح تحليلات حديثة ان رقائق الذاكرة عالية النطاق اتش بي ام اصبحت عنصرا اساسيا في تشغيل انظمة الذكاء الاصطناعي الحديثة، بما في ذلك معالجات انفيديا وايه ام دي.
وبينما تتصدر شركة اس كيه هاينكس الكورية سوق اتش بي ام حاليا، تسعى سامسونغ بقوة لاستعادة موقعها عبر استثمارات ضخمة في الرقائق والذاكرة المتقدمة، وتشير تقارير الى ان الطلب العالمي على الرقائق قد يصل الى 1.5 تريليون دولار بحلول عام 2030 بفعل توسع الذكاء الاصطناعي والروبوتات والبنية السحابية، وهذا يجعل سامسونغ لاعبا محوريا ليس فقط في سوق الهواتف، بل في مستقبل الذكاء الاصطناعي العالمي باكمله.
سامسونغ داخل كل هاتف تقريبا
المفارقة المثيرة ان شركات منافسة مثل ابل تعتمد ايضا على مكونات من سامسونغ، فالشركة تنتج شاشات او ال اي دي وشرائح ذاكرة ومكونات الكترونية تدخل في تصنيع اجهزة شركات اخرى، بما فيها منافسوها المباشرون، وتشير تقارير متخصصة الى ان سامسونغ وال جي تهيمنان على نحو 95% من سوق شاشات او ال اي دي عالميا.
واكدت الشركة ان هذا يفسر لماذا ينظر خبراء الاقتصاد والتقنية الى سامسونغ باعتبارها بنية تحتية تقنية اكثر من كونها مجرد علامة تجارية استهلاكية.
ماذا يحدث لو توقفت سامسونغ؟
هذا السؤال لم يعد نظريا بالكامل، خاصة مع التوترات العمالية داخل الشركة، ورغم ان توقفا كاملا للشركة يبدو مستبعدا، فان مجرد تباطؤ الانتاج قد يؤدي الى ارتفاع اسعار الهواتف والحواسيب عالميا وتاخير انتاج خوادم الذكاء الاصطناعي واضطرابات في سوق السيارات الذكية ايضا ونقص في شرائح الذاكرة المستخدمة في مراكز البيانات وارتفاع تكاليف شركات التكنولوجيا الكبرى.
وقد شهد العالم بالفعل خلال ازمة الرقائق بين عامي 2020 و2022 كيف تسبب نقص محدود في الامدادات بتعطل مصانع سيارات وتاخير شحنات الكترونية حول العالم.
لماذا لا تستطيع الدول استبدال سامسونغ بسهولة؟
لان صناعة الرقائق تعد من اكثر الصناعات تعقيدا في العالم، فبناء مصنع متقدم لاشباه الموصلات قد يكلف عشرات المليارات من الدولارات ويحتاج سنوات طويلة وخبرات هندسية نادرة.
كما ان سلاسل التوريد العالمية شديدة التعقيد، حيث تعتمد الصناعة على معدات من ايه اس ام ال الهولندية ومواد كيميائية من اليابان وتصميمات امريكية وتصنيع في كوريا الجنوبية وتايوان.
ولهذا السبب، اوضحت الشركة ان الحكومات الغربية تنظر الى شركات مثل سامسونغ باعتبارها اصولا استراتيجية لا تقل اهمية عن شركات الطاقة او الصناعات الدفاعية.
الوجه الاخر للازمة
رغم قوة سامسونغ، فان الشركة تواجه تحديات كبيرة ايضا، فهي تخوض منافسة شرسة ضد تي اس ام سي التايوانية في تصنيع الرقائق المتقدمة وضد مواطنتها اس كيه هاينكس في سوق الذاكرة المرتبطة بالذكاء الاصطناعي.
وتشير تقارير الى ان سامسونغ استثمرت مئات المليارات في قطاع التصنيع المتقدم، لكنها ما تزال تواجه تحديات تتعلق بنسبة نجاح الانتاج مقارنة بـ تي اس ام سي.
كما تواجه الشركة ضغوطا مرتبطة بالحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين، اذ اصبحت الرقائق الالكترونية اداة جيوسياسية تستخدمها الدول الكبرى في فرض النفوذ الاقتصادي والتكنولوجي.
وبناء على ذلك، قد يرى المستخدم العادي ان سامسونغ شركة تصنع الهواتف والاجهزة المنزلية، لكن الحقيقة ان الشركة اصبحت جزءا من الامن القومي الرقمي للعالم الحديث.
واضافت الشركة انه خلف الشاشات اللامعة والاعلانات التجارية، تدير سامسونغ شبكة صناعية معقدة تتحكم بجزء كبير من تدفق الرقائق والذاكرة والشاشات التي يعتمد عليها الاقتصاد الرقمي العالمي.
وفي عصر الذكاء الاصطناعي والحوسبة الفائقة، شددت الشركة ان اهمية سامسونغ لم تعد تقاس بعدد الهواتف المباعة فقط، بل بقدرتها على ابقاء العالم الرقمي يعمل دون انقطاع.





