ليبيا تكثف الملاحقات الدولية لمتهمين بجرائم حرب

ليبيا تكثف الملاحقات الدولية لمتهمين بجرائم حرب

تتجه حكومة الوحدة الوطنية المؤقتة في غرب ليبيا نحو تعزيز مسار الملاحقات الدولية بحق المتورطين في جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، وفقا لقناعة ترسخت لدى حقوقيين ليبيين، وذلك في ظل مؤشرات على توسيع نطاق التعاون مع الآليات القضائية الدولية.

ويستند هذا التقدير إلى ما ورد في كلمة مندوب ليبيا الدائم لدى الأمم المتحدة، السفير طاهر السني، أمام مجلس الأمن، إذ شدد فيها على أهمية ملاحقة مرتكبي تلك الجرائم، في إطار مبدأ التكامل القضائي، وتقاسم الأعباء مع القضاء الوطني، وبما يقوم على شراكة مع المؤسسات الليبية ذات الصلة، لضمان عدم إفلات الجناة من المساءلة.

وياتي ذلك بالتزامن مع تحذيرات نائبة المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية، نزهة خان، خلال الجلسة ذاتها، من أن قضية الليبي خالد الهيشري، الماثل أمام المحكمة بتهم تتعلق بارتكاب جرائم حرب واغتصاب واستعباد، لا تمثل سوى جزء من جهد أوسع نطاقا يستهدف تحقيق المساءلة، مشيرة إلى استمرار وجود 9 مذكرات توقيف علنية قيد التنفيذ في إطار التحقيقات الجارية بشأن الانتهاكات المرتبطة بالنزاع الليبي.

وخلال جلسة لمجلس الأمن بشأن الحالة في ليبيا، بدا حرص السفير السني على التاكيد، أكثر من مرة، على أن ما ينسب إلى بعض موظفي الدولة الليبية من أفعال أو ممارسات غير مشروعة، لا يعكس نهج الدولة أو مؤسساتها، واصفا إياها بانها تصرفات فردية تقع مسؤوليتها على مرتكبيها شخصيا، دون أن يترتب على الدولة أي التزام بتعويضات.

كما جدد التاكيد على أن توسيع التعاون مع المحكمة الجنائية الدولية حتى نهاية عام 2027 يعزز اختصاصها، استنادا إلى مبدأ التكامل لا الإحلال، موضحا أن القضاء الوطني الليبي يظل صاحب الولاية الأصيلة، بينما يقتصر دور المحكمة على الدعم والتعاون، وتبادل الأدلة عند تعذر الملاحقة الوطنية أو تعذر الوصول إلى المطلوبين.

وانتهت المحكمة الجنائية الدولية، الخميس الماضي، من جلسات تاكيد التهم في قضية المدعي العام ضد الهيشري (47 عاما)، أحد المسؤولين السابقين عن سجن معيتيقة في طرابلس، في حين تبدأ الدائرة التمهيدية الأولى مداولاتها، تمهيدا لإصدار قرارها خلال 60 يوما.

اما نائبة المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية فقد كشفت عن أن محاكمة الهيشري لا تمثل سوى جزء من جهد أوسع نطاقا يهدف إلى تحقيق المساءلة، إذ تواصل المحكمة تحقيقاتها في الجرائم المرتبطة بالنزاع الذي دار بين عامي 2014 و2020، وكذلك في الانتهاكات المرتكبة داخل مراكز الاحتجاز في مختلف أنحاء شرق ليبيا وغربها، مؤكدة أن هناك 9 مذكرات توقيف علنية لا تزال قيد التنفيذ.

ووجهت نائبة المدعي العام تحذيرا إلى الجناة، قائلة: اعلموا أن مكتبنا يظل ملتزما بفرض المساءلة عن أفعالكم، ونمضي بخطى متسارعة عبر مسارات التحقيق لضمان إنصاف الضحايا، كما شهدنا في لاهاي هذا الأسبوع.

ووفقا للمحكمة الجنائية الدولية، يواجه الهيشري 17 تهمة، تتعلق بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية داخل سجن معيتيقة، تشمل القتل والتعذيب والاضطهاد والاسترقاق، إضافة إلى الاغتصاب والعنف الجنسي ضد رجال ونساء ليبيين ومهاجرين أفارقة، خلال الفترة بين 2014 و2020.

ويرى حقوقيون أن هذا التوجه من جانب سلطات غرب ليبيا لتعزيز مسار الملاحقات الدولية يبدو منطقيا في ظل الانقسام السياسي والأمني، الذي تعيشه البلاد، بين حكومتين؛ إحداهما في غرب ليبيا وهي حكومة الوحدة الوطنية برئاسة عبد الحميد الدبيبة، والأخرى هي الاستقرار في الشرق وأجزاء واسعة من الجنوب برئاسة أسامة حماد وتحظى بدعم الجيش الوطني بقيادة المشير خليفة حفتر.

ويؤكد الناشط الحقوقي، هشام الحاراتي، ضرورة التكامل بين القضاءين المحلي والدولي، مع ضرورة التزام المحكمة الجنائية الدولية بمعايير موحدة وعدم انتهاج الانتقائية في قضايا التعذيب والإخفاء القسري، بما يضمن عدالة متساوية بين مختلف مناطق البلاد.

من جانبها، قالت المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان في ليبيا، في بيان سابق: مهما طال أمد الإفلات من العقاب، فإن مرتكبي انتهاكات حقوق الإنسان في ليبيا لن يفلتوا من المساءلة والمحاسبة عبر مختلف الوسائل القانونية والقضائية المحلية والدولية، بما يضمن للضحايا حقهم في الوصول إلى العدالة والإنصاف.

ومنذ عام 2011 تتمتع المحكمة الجنائية الدولية بولاية قضائية على جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، استنادا إلى قرار مجلس الأمن رقم 1970، الذي أحال الوضع في ليبيا إلى المحكمة، ما يجعلها مختصة، حتى دون أن تكون ليبيا دولة طرفا في نظام روما الأساسي، في إطار مبدأ التكاملية الذي يجعلها محكمة ملاذ أخير لا تتدخل إلا عند عجز القضاء الوطني عن المحاكمة الفعلية.

وفي مايو قدمت حكومة الوحدة إعلانا يقبل اختصاص المحكمة على الجرائم المرتكبة في ليبيا منذ عام 2011 وحتى نهاية 2027، وهو ما وسع عمليا نطاق الولاية الزمنية للمحكمة داخل الإقليم الليبي، وأثار هذا الإعلان حينها جدلا محليا، إذ عده مجلس النواب وحكومة الاستقرار غير دستوري، وتم الطعن في شرعيته، بوصف أن ليبيا ليست دولة طرفا في المحكمة وأن القضاء الوطني هو المختص، ما فتح نقاشا سياسيا وقانونيا حول حدود تعاون الدولة مع المحكمة الجنائية الدولية ومدى إلزاميته.