أبرمت بريطانيا ودول مجلس التعاون الخليجي اتفاقية تجارة حرة شاملة، وذلك بعد مفاوضات مكثفة في لندن. وتعد هذه الاتفاقية محطة استراتيجية لتعزيز النمو الاقتصادي وخفض الحواجز التجارية وجذب الاستثمارات بين بريطانيا ودول الخليج.
وتمثل الاتفاقية نجاحا كبيرا لبريطانيا في تحويل تجارتها نحو الأسواق الناشئة ذات الملاءة المالية العالية. أما بالنسبة لدول الخليج، فلا تقتصر الاتفاقية على بيع النفط لبريطانيا، بل تشمل نقل المعرفة وجذب الاستثمارات.
وجاء الإعلان خلال اجتماع رسمي ضم وزير الدولة البريطاني لسياسة التجارة، السير كريس براينت، والأمين العام لمجلس التعاون الخليجي، جاسم محمد البديوي.
أبعاد اقتصادية واعدة
وتضع هذه الاتفاقية بريطانيا في المرتبة الأولى كأول دولة من مجموعة الدول السبع الصناعية الكبرى تبرم اتفاقية تجارة حرة مع مجلس التعاون الخليجي. وتمثل السوق الخليجية قوة اقتصادية ضخمة بناتج محلي إجمالي مجمع يبلغ 1.9 تريليون جنيه إسترليني، وسوقا استيرادية تقدر قيمتها بنحو 1.04 تريليون دولار، وفقا لوزارة الاقتصاد البريطانية.
وتشير التقديرات إلى أن الاتفاقية ستسهم في دعم الاقتصاد البريطاني بنحو 3.7 مليار جنيه إسترليني سنويا على المدى الطويل، إضافة إلى رفع الأجور الحقيقية للعمال البريطانيين بمقدار 1.9 مليار جنيه إسترليني سنويا.
واضافت التقديرات انه باضافة هذه النتائج إلى الاتفاقيات البريطانية المبرمة مع الهند، من المتوقع أن يضيف الاتفاقان معا أكثر من 8 مليارات جنيه إسترليني سنويا للاقتصاد البريطاني. وبين الخبراء انه من المتوقع أن تشهد حركة التجارة البينية قفزة بنسبة 19.8 في المائة، ما يضيف نحو 15.5 مليار جنيه إسترليني سنويا إلى مجمل التبادل التجاري البريطاني الخليجي على المدى الطويل.
تحرير جمركي واسع وتسهيلات غير مسبوقة
وفيما يتعلق بالنفاذ إلى أسواق السلع، التزم مجلس التعاون الخليجي بتحرير كامل لـ 90 في المائة من خطوط التعريفة الجمركية خلال 10 سنوات من دخول الاتفاقية حيز التنفيذ. ونتيجة لذلك، سيتم إلغاء الرسوم الجمركية عن نحو 93 في المائة من الصادرات البريطانية إلى الخليج، مما يوفر على الشركات البريطانية تكلفة رسوم تقدر بنحو 580 مليون جنيه إسترليني سنويا. وسيتم إلغاء ما قيمته 360 مليون جنيه إسترليني من هذه الرسوم فورا في اليوم الأول لتفعيل الاتفاقية.
واكدت المصادر ان قطاعات رئيسية في بريطانيا ستستفيد من هذا الإلغاء؛ حيث ستعفى صادرات محركات الطائرات التوربينية وأجزاء الفضاء فورا، بالإضافة إلى قطاعات الآلات والإلكترونيات والسيارات. وستلغى الرسوم مباشرة عن 90 في المائة من صادرات السيارات البريطانية الحالية، بما فيها السيارات الهجينة. في حين ستلغى الرسوم عن السيارات الكهربائية وبطارياتها بعد 10 سنوات لدعم سلاسل التوريد والتحول نحو الحياد الصفري.
كما ستنال الصادرات الزراعية والغذائية البريطانية ميزة تنافسية كبرى عبر الإلغاء الفوري للرسوم على منتجات الأجبان والشوكولاته والبسكويت وسلمون اسكوتلندا المدخن. وفي المقابل، ستقوم بريطانيا بتحرير التعريفة الجمركية على كل الصادرات الخليجية الحالية إليها منذ اليوم الأول لدعم سلاسل الإمداد وخفض تكاليف المدخلات للشركات البريطانية، مع استثناء منتجات لحوم الخنزير والدواجن والبيض من هذا التحرير. وتعهدت أجهزة الجمارك في الجانبين بتسريع إجراءات الفسح الجمركي للبضائع المطابقة للاشتراطات خلال 48 ساعة فقط، مع تقليص المدة إلى 6 ساعات للسلع سريعة التلف، وإتاحة خيار التخليص الذاتي للمنشآت الصغيرة والمتوسطة.
ثورة في قطاع الخدمات
وتقدم الاتفاقية حزمة من المزايا هي الأفضل من نوعها التي تمنحها دول الخليج لأي شريك دولي في قطاع الخدمات؛ حيث تضمن بيئة تنظيمية مستقرة لقطاعات الخدمات المالية والقانونية والهندسية والإنشائية البريطانية. وحصلت بريطانيا على التزامات ملزمة من دول الخليج، تضمن حرية التدفق الحر للبيانات المالية وحظر متطلبات توطين البيانات الجائرة، ما يتيح للبنوك وشركات التكنولوجيا المالية البريطانية تخزين ومعالجة بياناتها خارج المنطقة.
كما تضمن الاتفاقية معاملة الشركات البريطانية في قطاعات خدمات عديدة على قدم المساواة مع نظيراتها المحلية الخليجية، وتضع قيودا تمنع فرض قيود مستقبلية على نسب الملكية الأجنبية أو اشتراط تأسيس مقار محلية لتقديم الخدمة، ما يشكل انتصارا للشركات الناشئة والصغيرة التي تسعى للتوسع دوليا بتكلفة منخفضة. وتضمنت الاتفاقية ملحقا خاصا بالاعتراف المتبادل بالمؤهلات المهنية لتسهيل حركة المهنيين والخبراء بين الجانبين.
ضمانات استثمارية وحماية للمستثمرين
وتتضمن الاتفاقية فصلا حديثا لقطاع الاستثمار يهدف إلى حماية رأس المال وتعزيز ثقة المستثمرين؛ حيث توفر مستويات حماية للمستثمرين البريطانيين في الأسواق الخليجية، مع صيانة حق الحكومات في التنظيم التشريعي للمصلحة العامة. وتقنن الاتفاقية آلية مستقلة لتسوية النزاعات بين المستثمرين والدول.
وتهدف هذه الضمانات القانونية المشتركة إلى ترسيخ مكانة المملكة المتحدة كوجهة رئيسية لتدفقات رؤوس الأموال وصناديق الثروة السيادية الخليجية الكبرى التي تدير أصولا تتجاوز قيمتها 3.4 تريليون دولار.
وبموجب هذه الاتفاقية ستنهي بريطانيا اتفاقيات الاستثمار الثنائية القديمة المبرمة مع كل من سلطنة عمان والبحرين فور دخول الاتفاقية حيز التنفيذ.
الخطوات المقبلة لدخول الاتفاقية حيز التنفيذ
وتضع هذه الاتفاقية اللمسات الأخيرة على جيل جديد من الشراكات الدولية البريطانية التي تسعى لتحويل الدبلوماسية العالمية إلى نتائج اقتصادية ملموسة ترفع مستويات المعيشة للجميع. ويعكف المفاوضون من كلا الجانبين حاليا على استكمال الصياغات القانونية النهائية للنص والتحقق منها رسميا، تمهيدا لاتخاذ الترتيبات الرسمية لتوقيع الاتفاقية.
وبينت المصادر انه عقب التوقيع، ستمر الاتفاقية بالقنوات والإجراءات البرلمانية والحكومية اللازمة في المملكة المتحدة ودول مجلس التعاون الخليجي، لتدخل بعدها حيز التنفيذ الفعلي، وتفتح فصلا جديدا من الازدهار الاقتصادي المشترك.





