كشف مسؤولو مجلس الاحتياطي الفيدرالي عن تحول في النقاشات الداخلية، حيث بدأوا في مناقشة خيار رفع أسعار الفائدة مجددا كخطوة استباقية، بعد أن طووا صفحة التساؤلات حول توقيت خفضها التي هيمنت على اجتماعاتهم طوال العامين الماضيين.
وأظهر محضر اجتماع السياسة النقدية لشهر ابريل، والذي نشر يوم الاربعاء، ان اغلب المشاركين سلطوا الضوء على ان بعض التشديد في السياسة النقدية سيتعين تطبيقه على الارجح في حال استمرار معدلات التضخم بالتحرك بشكل عنيد ومستمر فوق مستهدف البنك البالغ 2 في المائة.
وجاء هذا المحضر ليؤكد كيف نجح الصراع المحتدم في الشرق الاوسط في اعادة تشكيل الرؤية المستقبلية للجنة صياغة السياسة النقدية، مبينا ان الاجتماع الاخير كان برئاسة جيروم باول، ومن المقرر ان يتولى كيفين وارش قيادة هذه اللجنة رسميا فور ادائه اليمين الدستورية في البيت الابيض يوم الجمعة، تمهيدا للاجتماع القادم للمركزي يومي 16 و17 يونيو المقبل.
الاسواق تعيد تسعير الاحتمالات
وفي غضون الاسابيع الثلاثة التي تلت الاجتماع، رفع المستثمرون من رهاناتهم على ان الخطوة القادمة للاحتياطي الفيدرالي ستكون بالزيادة لا النقصان، موضحين انه قبل صدور المحاضر مباشرة، قفزت احتمالية رفع الفائدة بمقدار ربع نقطة مئوية لمرة واحدة على الاقل قبل نهاية هذا العام الى ما يقرب من 50 في المائة في اسواق العقود الاجلة، وفقا لبيانات مجموعة سي ام ايه.
وعلى الرغم من ان مسؤولي الفيدرالي صوتوا في ذلك الاجتماع بالاجماع على تثبيت اسعار الفائدة، فان ثلاثة من رؤساء البنوك الاقليمية اعترضوا رسميا، ليس على قرار التثبيت بذاته، بل على الابقاء على عبارة الانحياز نحو التيسير في البيان الرسمي، وهي العبارة التي توحي للاسواق بان خطوة البنك القادمة ستكون خفضا للفائدة.
واشار المحضر الى ان العديد من المسؤولين كانوا يفضلون ازالة هذه اللغة التيسيرية، مما يعكس وجود دعم واسع النطاق داخل المجلس يتجاوز المنشقين الثلاثة الرسميين.
حرب ايران وصدمة الطاقة تعيدان اشعال الاسعار
وبين المحضر ان المحفز المباشر وراء اعادة التفكير هذه من قبل البنك المركزي والمستثمرين على حد سواء يعزى الى الحرب في ايران، والتي دفعت باسعار الطاقة الى قفزات متتالية، مما يهدد ببقاء التضخم حبيسا فوق مستويات 2 في المائة.
واكد المحضر ان هذه المخاوف تاتي في ظل الضربات الاميركية والاسرائيلية على ايران وما اعقبها من اغلاق لمضيق هرمز الحيوي، مما حافظ على بقاء اسعار الطاقة عند مستويات مرتفعة، كما ادى الجمود المستمر منذ اسابيع في اعقاب وقف اطلاق النار الشهر الماضي الى اطالة المدة الزمنية المتوقعة لعودة اسواق النفط الى طبيعتها، تاركا الاسواق امام واقع اقتصادي يفرض تضخما اعلى ولفترة اطول.
قفزة عوائد السندات وتاثير طفرة الذكاء الاصطناعي
واستجابة لهذه المعطيات، سجلت اسعار الفائدة طويلة الاجل ارتفاعا ملحوظا خلال الاسابيع الماضية، حيث قفزت عوائد سندات الخزانة الاميركية لاجل 10 سنوات من ادنى مستوياتها الاخيرة البالغة 4 في المائة في اوائل مارس لتستقر حول 4.6 في المائة في الايام الاخيرة، وهو تحرك انعكس مباشرة على تكاليف التمويل العقاري واقتراض الشركات.
وما زاد الطين بلة، ظهور مؤشرات على استقرار سوق العمل، الى جانب اعادة تقييم شاملة لطفرة الذكاء الاصطناعي، فالطفرة التي كان يتوقع لها سابقا ان تساهم في خفض التضخم عبر زيادة الانتاجية، باتت ترى اليوم كمصدر اساسي للطلب المفرط وحمى نمو الاقتصاد، اذ يتسبب انفاق مئات المليارات من الدولارات على بناء مراكز البيانات، الى جانب تاثير الثروة الناجم عن تضخم تقييمات شركات التكنولوجيا، في تحفيز الانفاق الاستهلاكي بوتيرة اسرع بكثير من قدرة تقنيات الذكاء الاصطناعي على خفض التكاليف.
اراء متباينة بين الفيدرالي والادارة الاميركية
وفي هذا الصدد، وصفت رئيسة بنك الاحتياطي الفيدرالي في فيلادلفيا، انا باولسون، اعادة تسعير الاسواق لاحتمالات رفع الفائدة بانه امر صحي، مشيرة الى ان التوقعات السابقة التي بنتها في يناير بشان خفض الفائدة تلاشت بعد ان اتضح ان ضغوط التضخم لن تنتهي بحلول نهاية العام كما كان مامولا.
وفي المقابل، تحاول الادارة الاميركية التقليل من خطورة الموقف، حيث ترى ادارة ترمب ان قفزة اسعار الطاقة ستكون مؤقتة، مما يجنب الاقتصاد السيناريو الاخطر المتمثل في انتقال هذا الارتفاع الى الاجور والخدمات الاخرى ما يعرف بالاثار الثانوية للتضخم.
وفي السياق ذاته، اكد وزير الخزانة سكوت بيسنت ان التضخم الاساسي كان في مسار هبوطي قبل اندلاع الصراع الايراني، وانه يستعد لاستئناف هذا النمط بعد شهر او شهرين من الارتفاع العابر، مؤكدا ان هذا التطور سيضع رئيس الفيدرالي القادم كيفن وارش في موقف مريح للغاية لادارة السياسة النقدية.





