عادت قضية الهجرة غير الشرعية لتتصدر المشهد في مصر، وذلك عقب وقوع ضحايا جدد لقوا حتفهم على متن ما بات يعرف بـ "قوارب الموت" المتجهة نحو السواحل الأوروبية، الامر الذي دفع أعضاء في البرلمان إلى المطالبة بتقديم إيضاحات حول الأسباب الكامنة وراء استمرار إقبال المصريين على التعاون مع شبكات التهريب في القرى والنجوع، على الرغم من الإجراءات الأمنية المشددة المتخذة على السواحل.
وجددت المأساة التي وقعت في منطقة سيدي براني بمحافظة مرسى مطروح، شمال غربي البلاد، والتي تمثلت في العثور على جثامين 17 شخصا لقوا حتفهم أثناء محاولتهم الهجرة، التساؤلات حول مدى فعالية الإجراءات الحكومية المتخذة للحد من هذه الظاهرة، فضلا عن تأثيرها على جهود مكافحة الهجرة غير النظامية، والأسباب التي تدفع الشباب اليها.
وجاءت هذه الواقعة بعد أيام قليلة من إطلاق سراح مئات المصريين الذين كانوا يسعون للهجرة إلى أوروبا عبر رحلات غير نظامية، والذين احتجزوا في ليبيا، وشهدت الأشهر القليلة الماضية مصرع آخرين في حوادث غرق بالقرب من السواحل الأوروبية، في ظل استمرار المناشدات التي تطلقها الجهات الحكومية بضرورة توخي الحيطة والحذر وعدم الانجرار وراء عصابات تهريب البشر، وتجنب السفر عبر الطرق غير القانونية.
تحرك برلماني لمواجهة الهجرة غير الشرعية
وتقدم ياسر الهضيبي، وكيل لجنة حقوق الإنسان بمجلس النواب، بطلب إحاطة عاجل موجه إلى رئيس مجلس الوزراء وعدد من الوزارات المعنية، بشأن تزايد استهداف الأطفال والطلاب وصغار السن من قبل سماسرة الهجرة غير الشرعية، وتحول بعض القرى والمناطق إلى بيئات طاردة للشباب ومحفزة للهجرة غير النظامية.
وجاء في طلب الإحاطة أن بعض المحافظات والقرى المصرية تشهد تناميا في ثقافة الهجرة غير الشرعية، حيث تحولت لدى بعض الأسر إلى حلم جماعي يتم الترويج له باعتباره الطريق الأسرع لتحسين الأوضاع المعيشية، الامر الذي خلق بيئة خصبة تستغلها شبكات السمسرة والاتجار بالبشر في استقطاب الشباب والأطفال ودفعهم إلى خوض رحلات شديدة الخطورة عبر الحدود البحرية والبرية.
واكد الهضيبي أن الحكومة تولي اهتماما كبيرا بمواجهة هذه الظاهرة، وأنها كثفت من إجراءاتها الأمنية واستحدثت إدارات شرطية تتبع إدارة الأموال العامة لضبط شبكات التهريب، ونجحت بالفعل في ضبط العديد من القضايا التي استهدفت تهريب مصريين أو أجانب موجودين على الأراضي المصرية، الا انه شدد على أن التعامل الأمني وحده لا يكفي للتعامل مع الأزمة التي تأخذ أبعادا مختلفة.
وطالب الهضيبي بضرورة وجود تعاون مشترك بين وزارات الإعلام والأوقاف والتعليم والتضامن الاجتماعي، بالإضافة إلى مؤسسة الأزهر، للتعرف على الأسباب التي تدفع الشباب نحو الهجرة، وتعريفهم بمخاطر المسارات غير النظامية، وتوجيههم نحو فرص شرعية للسفر الجيد الذي يلبي طموحاتهم.
ارتفاع أعداد المهاجرين غير الشرعيين
ولم يكن تحرك الهضيبي هو الوحيد، اذ سبقه ايمن محسب، وكيل لجنة الشؤون الاقتصادية بمجلس النواب، الذي تقدم بطلب إحاطة بشأن تصاعد ظاهرة الهجرة غير الشرعية بين الشباب المصري، وما تمثله من تهديد لحياة الشباب واستقرار المجتمع، في ظل تنامي نشاط شبكات تهريب البشر عبر مسارات الهجرة غير النظامية.
وأوضح محسب أن البيانات الدولية تشير إلى ارتفاع أعداد المهاجرين المصريين غير الشرعيين من 709 حالات في عام 2018 إلى 21753 حالة في عام 2022، الامر الذي وضع مصر ضمن قائمة أكبر عشر دول من حيث معدلات الهجرة غير الشرعية إلى أوروبا.
ورصدت التقارير أيضا استمرار المعدلات المرتفعة خلال عام 2023 بنحو 22 ألف مهاجر مصري غير نظامي، مع بقاء المصريين خلال عامي 2024 و 2025 ضمن أكثر ثلاث جنسيات تدفقا عبر مسار وسط البحر المتوسط المؤدي إلى إيطاليا واليونان، وفق ما ذكره محسب.
واضاف محسب انه على الرغم من نجاح الدولة منذ عام 2016 في وقف انطلاق قوارب الهجرة مباشرة من السواحل المصرية، فإن شبكات التهريب أعادت تشكيل نشاطها عبر مسارات بديلة تمر بليبيا وتركيا وشرق المتوسط، مطالبا بإعادة تقييم السياسات الحالية، مع تعزيز برامج الحماية الاجتماعية والتوعية والتأهيل الاقتصادي في المناطق التي تتصدر الهجرة غير الشرعية.
"ثغرة" الحدود الليبية
ويرى أيمن زهري، عضو المجلس القومي لحقوق الإنسان، أن مصر ما زالت تعاني كابوس الهجرة غير الشرعية، مشيرا إلى أن نشاط هذه العمليات يزداد خلال أشهر الصيف بسبب مخاوف عصابات التهريب والمهاجرين من الإبحار في الشتاء خشية من تقلبات الجو ونوات البحار، وبالتالي فإن تعدد الحوادث يعد نموا طبيعيا يرتبط بالظروف المناخية.
واضاف زهري ان الحكومة المصرية تبذل جهودا ضخمة للحد من الظاهرة، وأن هناك لجنة وطنية لمكافحة الهجرة غير الشرعية تتشارك فيها 30 وزارة وجهة مختلفة، بالإضافة إلى تشريعات رادعة تتعلق بمكافحة الاتجار بالبشر والهجرة غير النظامية، وأن هناك عقوبات تم تغليظها مؤخرا على المشاركين في عمليات التهريب، إلى جانب الضبط الأمني شبه الكامل على السواحل الشمالية.
ويؤكد زهري أن الثغرة الحالية تتعلق بالحدود الغربية مع ليبيا، مبينا أن الظروف الأمنية الصعبة في ليبيا تجعل الظروف غير مواتية لتحقيق سيطرة كاملة، كما أن مصر تواجه صعوبات في السيطرة على أكثر من 1000 كيلومتر من الحدود المشتركة.
وتابع زهري ان استمرار نشاط التهريب يعود أيضا إلى التواطؤ بين الراغبين في الهجرة والمُهربين، وبالتالي تكون البلاغات ضئيلة للغاية، وهو أمر توظفه شبكات التهريب للإيقاع بالشباب وتشجيعهم على السفر، ويبقى الأمل في فرص معيشية أفضل من أكبر العوامل وراء السعي إلى الهجرة غير النظامية على الرغم من كل ما يحيق بها من أخطار.
-
-
-
-
مقتل جندي سوري بتفجير سيارة مفخخة في دمشق2026-05-19 -
