توجهات الفيدرالي الجديد تثير قلق الاسواق العالمية بشأن استقلالية البنك المركزي

توجهات الفيدرالي الجديد تثير قلق الاسواق العالمية بشأن استقلالية البنك المركزي

أثارت تصريحات كيفن وارش، المرشح لرئاسة مجلس الاحتياطي الفيدرالي الامريكي، بشأن استقلالية البنك المركزي، مخاوف صانعي السياسات النقدية، خاصة فيما يتعلق بإدارة أزمات السيولة خارج الولايات المتحدة، حيث يخشون من أن أي تقليص لدوره العالمي قد يهدد استقرار الأسواق.

وبالنظر إلى مكانة الدولار كعملة عالمية، يلعب الفيدرالي دورا محوريا في تهدئة الأسواق خلال الأزمات، وقد قام بتوسيع أدواته لمواجهة الأزمات لضمان استمرار تدفق التمويل العالمي.

إلا أن وارش، الذي اختاره الرئيس الامريكي دونالد ترمب لتولي المنصب، أثار تساؤلات حول مدى استقلالية البنك المركزي في تحديد أسعار الفائدة وعملياته الأوسع، بما في ذلك دوره في النظام المالي الدولي، مؤكدا ضرورة تنسيق أكبر مع الإدارة الامريكية والكونغرس.

وخلال جلسة تثبيته، قال وارش إن استقلالية الفيدرالي في السياسة النقدية لا تشمل بالضرورة كل وظائفه، وهو ما دفع بعض المراقبين للتساؤل حول قدرته على التحرك بسرعة وحسم خلال الأزمات المستقبلية.

الولايات المتحدة مستفيد رئيسي من النظام

تشير تصريحات مسؤولي السياسة النقدية إلى أنهم يتابعون باهتمام تصريحات وارش وينتظرون توضيحا بشأنها، ومع ذلك، فإنهم لا يتوقعون أي تغيير كبير في السياسات في الوقت الحالي، ولو لمجرد أن التسهيلات التمويلية التي يوفرها الفيدرالي تحمي الاقتصاد الامريكي في نهاية المطاف، بالقدر نفسه الذي تحمي به اقتصاد الشركاء العالميين.

وحذر مسؤولون من أن تراجع مصداقية الفيدرالي قد يدفع دولا إلى تقليل اعتمادها على الدولار، مما قد يسرع الاتجاه النزولي لحصة العملة الامريكية في الاحتياطات العالمية.

وفي المقابل، لا تمتلك البنوك المركزية أدوات كافية على المدى القصير إذا ما قيد الفيدرالي الوصول إلى الدولارات، لكن حتى مجرد الإيحاء بتقييد خطوط السيولة قد يؤدي إلى اضطرابات في الأسواق.

وقال أحد صانعي السياسات في البنك المركزي الأوروبي: "هذا سلاح ذو حدين، فالعالم يعتمد على الدولار، وإذا لم يكن متاحا بسهولة، فالجميع سيدفع الثمن، بما في ذلك الولايات المتحدة".

آلية السيولة العالمية

يوفر الفيدرالي حاليا الدولار عند الطلب للبنك المركزي الأوروبي ونظرائه في كندا واليابان وبريطانيا وسويسرا، مقابل ضمانات، عبر أدوات سيولة دائمة، كما يمكن لبنوك مركزية أخرى الوصول إلى الدولار عبر آليات أكثر تعقيدا.

ويستند هذا الدور إلى حقيقة أن البنوك التجارية خارج الولايات المتحدة تحتفظ بتريليونات الدولارات من سندات الخزانة الامريكية، وأن أي ضغوط في الأسواق قد تدفعها إلى البيع السريع للحصول على السيولة، ما قد ينقل الاضطراب إلى الأسواق الامريكية نفسها.

وتاريخيا، لم يكن إدخال السياسة في توفير الدولار أمرا جديدا، إذ قدمت إدارة ترمب خط ائتمان بقيمة 20 مليار دولار للأرجنتين قبل الانتخابات العام الماضي، كما طلبت دول في الخليج وآسيا مؤخرا تسهيلات سيولة لمواجهة صدمات الطاقة وتداعيات حرب إيران.

كما أثار الرئيس الكوري الجنوبي لي جاي ميونغ هذه القضية، خلال لقائه وزير الخزانة الامريكي سكوت بيسنت هذا الشهر.

تحذيرات من انعكاسات عالمية

وأشار الخبير الاقتصادي تاكاهيدي كيوتش، وهو عضو سابق ببنك اليابان، إلى أن سياسات الفيدرالي قد تترك آثارا واسعة على الأسواق العالمية، قائلا إن وارش قد يحاول الموازنة بين سياسة نقدية ميسرة تتماشى مع رغبات ترمب، وسياسة ميزانية أكثر تشددا.

وحذر من أن أي اضطراب في الأسواق الامريكية، بالتزامن مع ارتفاع أسعار النفط نتيجة حرب إيران، قد يدفع عوائد السندات اليابانية طويلة الأجل إلى الارتفاع، ما يضغط على الاقتصاد والأسواق في اليابان.

اليورو غير جاهز للاستفادة

ويرى بعض المسؤولين أن الحفاظ على تدفق الدولار عالميا يصب أيضا في مصلحة الولايات المتحدة؛ لأنه يسهل تمويل العجز الكبير في الموازنة.

لكن أي تراجع في مصداقية الفيدرالي قد يعزز تدريجيا مكانة اليورو كعملة بديلة، رغم أن البنية المؤسسية للعملة الأوروبية الموحدة لا تزال غير مهيأة لتولي دور عالمي مماثل، وفق مصادر.

واتفق جميع المسؤولين على أن خطط الطوارئ قد تساعد البنوك المركزية على التكيف مع أي تقييد محتمل لدور الفيدرالي، لكنهم شددوا على أنه في أوقات الأزمات يبقى البنك المركزي الامريكي "المقرض الأخير بالدولار".

وقال سبيروس أندريوبولوس، مؤسس شركة "ثين آيس ماكروإيكونوميكس": "لا توجد بدائل حقيقية، فحجم سوق اليورو-دولار البالغ 30 تريليون دولار يجعل من المستحيل توفير بديل كاف".

قدامى المحاربين لا يحدثون تغييرات جذرية

يرى عدد من المصادر أن وارش من غير المرجح أن يحدث تغييرا جذريا؛ نظرا لكونه مصرفيا مركزيا مخضرما، ويمتلك فهما عميقا للمسؤوليات الأساسية لمجلس الاحتياطي الفيدرالي.

وقال كارستن برزيسكي، خبير الاقتصاد ببنك "آي إن جي": "كانت تعليقاته موجهة إلى ترمب أكثر من كونها موجهة إلى نظرائه الأوروبيين".

وأضاف: "وارش مخضرم في (الفيدرالي)، ومخضرم في الأزمات المالية، وهو يدرك جيدا المخاطر المحتملة على الاستقرار المالي إذا ما تم تقليص خطوط تبادل السيولة (swap lines)".

ويرى آخرون أن صانعي السياسات في الفيدرالي سيحافظون، بشكل جماعي، على شبكة الأمان، خاصة أن وارش يمتلك صوتا واحدا فقط، كما أنه لم يجر التشكيك سابقا في خطوط السيولة هذه.

وقال تيف ماكلم، محافظ بنك كندا: "عملت معه خلال الأزمة المالية في عام 2008، أعتقد أن ثقافة وسلوك (الفيدرالي) سيستمران كما كانا في الماضي".