تتجه الأنظار نحو القمة التي تجمع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بنظيره الصيني شي جينبينغ في بكين، والتي تتجاوز أبعادها السياسية والجيوسياسية، لتحمل رسائل اقتصادية عميقة في ظل إعادة تشكيل التوازنات العالمية بين الصين وروسيا والولايات المتحدة.
وتاتي زيارة بوتين إلى الصين بعد فترة وجيزة من انتهاء زيارة الرئيس الأميركي إلى بكين، مما يعكس محاولة الصين الموازنة بين شراكتها الاستراتيجية مع موسكو وعلاقاتها الاقتصادية مع واشنطن.
وذكر الكرملين أن بوتين وشي سيركزان خلال القمة على التعاون الاقتصادي، والطاقة، والتجارة، إضافة إلى القضايا الدولية والإقليمية، وتتزامن الزيارة مع الذكرى السنوية لمعاهدة الصداقة الصينية الروسية.
وقال بوتين قبل الزيارة إن العلاقات بين البلدين بلغت مستوى غير مسبوق، مضيفا أن التعاون بين موسكو وبكين يمثل عامل توازن واستقرار في النظام العالمي.
الصين تدعم الاقتصاد الروسي
ومنذ بدء الحرب في أوكرانيا في عام 2022، أصبحت الصين الشريان الاقتصادي الأهم لروسيا، بعد أن أدت العقوبات الغربية إلى تقليص جزء كبير من علاقات موسكو التجارية والمالية مع أوروبا والولايات المتحدة.
وباتت بكين الشريك التجاري الأول لروسيا والمستورد الأكبر للنفط والغاز الروسيين، وارتفعت التجارة الثنائية إلى مستويات قياسية خلال العامين الماضيين.
وحسب بيانات روسية رسمية، ارتفع حجم التجارة الثنائية بين البلدين إلى أكثر من 320 مليار دولار خلال 2025، مقارنة بنحو 147 مليار دولار فقط قبل الحرب في 2021.
واوضح مساعد الرئيس الروسي يوري أوشاكوف أن صادرات النفط الروسية إلى الصين ارتفعت بنسبة 35 في المائة خلال الربع الأول من 2026، بينما أصبحت موسكو واحدة من أكبر موردي الغاز الطبيعي لبكين.
وتزداد أهمية هذه الأرقام مع استمرار الحرب في الشرق الأوسط والتوترات في مضيق هرمز، مما يدفع الصين إلى تعزيز الاعتماد على الإمدادات الروسية.
واشار أوشاكوف إلى أن موسكو ترى في الصين مستهلكا مسؤولا للطاقة، بينما تعتبر بكين روسيا موردا موثوقا وسط اضطرابات أسواق النفط العالمية.
النفط والغاز في صلب المحادثات
ومن المتوقع أن يكون ملف الطاقة المحور الاقتصادي الأبرز في لقاء بوتين وشي، خاصة مع اقتراب الجانبين من إنهاء تفاهمات واسعة تتعلق بمشاريع النفط والغاز وخطوط الإمداد المستقبلية.
وصرح بوتين مؤخرا أن موسكو وبكين حققتا تقدما كبيرا جدا في التعاون بقطاع النفط والغاز، مؤكدا أن جميع القضايا الرئيسية تقريبا تم الاتفاق عليها.
ويعد مشروع خط أنابيب الغاز قوة سيبيريا 2 من بين ملفات الطاقة الكبرى بين موسكو وبكين، ويهدف المشروع إلى نقل نحو 50 مليار متر مكعب من الغاز سنويا من حقول غرب سيبيريا إلى الصين عبر منغوليا، ورغم أن المشروع لم يحصل بعد على الموافقة النهائية، فإن بوتين أكد أخيرا أن الجانبين أحرزا تقدما كبيرا في المفاوضات المتعلقة بالطاقة.
ويرى خبراء أن روسيا تسعى عبر هذه المشاريع إلى تعويض خسائر السوق الأوروبية، بينما تحاول الصين تنويع مصادر الطاقة وتقليل اعتمادها على الإمدادات البحرية.
كما يتوقع أن تشمل المباحثات توسيع استخدام العملات المحلية في التجارة الثنائية، في إطار جهود البلدين لتقليل الاعتماد على الدولار الأميركي، وارتفع التبادل التجاري بين البلدين باليوان والروبل بشكل كبير منذ 2022، كما توسع استخدام أنظمة دفع بديلة عن النظام المالي الغربي.
توازن دقيق
ورغم تعمق التعاون مع روسيا، تحرص الصين في الوقت نفسه على تجنب مواجهة اقتصادية مفتوحة مع الولايات المتحدة، خاصة بعد القمة الأخيرة بين الرئيس الأميركي ونظيره الصيني في بكين.
وخلال زيارة الرئيس الأميركي، وصف الرئيس الصيني العلاقات الأميركية الصينية بأنها الأهم في العالم، واتفق الجانبان على العمل على إطار جديد لإدارة علاقة مستقرة وبناءة.
ويرى محللون أن بكين تحاول الحفاظ على مسارين متوازيين، بين شراكة استراتيجية مع موسكو وعلاقة اقتصادية مستقرة مع واشنطن، باعتبار أن الاقتصاد الصيني لا يزال مرتبطا بشكل كبير بالأسواق الغربية.
وبين وانغ زيتشن نائب الأمين العام لمركز الصين والعولمة في بكين أن زيارة الرئيس الأميركي هدفت إلى استقرار أهم علاقة ثنائية في العالم، بينما تهدف زيارة بوتين إلى طمأنة شريك استراتيجي طويل الأمد، وأضاف أن الصين لا ترى تعارضا بين المسارين.
التكنولوجيا والعقوبات
وفي خلفية القمة، يبرز ملف التكنولوجيا كأحد أبرز مصادر القلق الغربي من التعاون الروسي الصيني.
وبينما تؤكد بكين أنها محايدة في الحرب الأوكرانية، تتهمها واشنطن وحلفاؤها بتزويد روسيا بمكونات وتقنيات تساعد صناعاتها العسكرية على تجاوز العقوبات الغربية.
وفي المقابل، تستفيد الشركات الصينية من السوق الروسية الضخمة بعد انسحاب عدد كبير من الشركات الغربية من روسيا منذ بدء الحرب.
وتحمل القمة أيضا بعدا أوسع يتعلق بإعادة تشكيل النظام الاقتصادي العالمي، إذ تدفع كل من موسكو وبكين باتجاه نظام عالمي أقل اعتمادا على الغرب والمؤسسات المالية التقليدية.
كما يعمل البلدان على تعزيز أنظمة الدفع البديلة وتقوية التبادل التجاري باليوان والروبل، في محاولة لتقليل تأثير العقوبات الأميركية.
ويرى مراقبون أن قمة بوتين وشي تعكس بوضوح التحولات الجارية في الاقتصاد العالمي، إذ تسعى الصين إلى تثبيت نفسها كقوة قادرة على التعامل مع جميع الأطراف، بينما تعتمد روسيا بشكل متزايد على الشرق لتعويض خسائرها في الغرب.
وفي ظل استمرار الحرب في أوكرانيا والتوترات في الشرق الأوسط والتنافس الأميركي الصيني، تبدو القمة محطة جديدة في سباق إعادة رسم موازين الاقتصاد والسياسة في العالم.





