تصاعد التوتر في جنوب لبنان: أكثر من 100 إنذار إخلاء و970 منزلًا مدمرًا

تصاعد التوتر في جنوب لبنان: أكثر من 100 إنذار إخلاء و970 منزلًا مدمرًا

كشفت معطيات ميدانية تلت اتفاق وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل في 17 أبريل الماضي أن الهدنة لم تحقق هدوءا فعليا على الأرض، بل بقيت المناطق الجنوبية تحت الاستهداف والإنذارات والتدمير المتواصل، ما يعزز الانطباع بأن العمليات العسكرية تحولت إلى إدارة ميدانية طويلة الأمد للضغط العسكري والأمني.

ووثقت مصادر مطلعة عدد القرى والنقاط الحدودية التي لا تزال إسرائيل تسيطر عليها أو تتمركز داخلها أو في محيطها منذ اندلاع الحرب الأخيرة، وما تبعها من ترتيبات ميدانية، وتبين أن العدد بلغ نحو 41 قرية ونقطة حدودية، فيما تجاوز عدد إنذارات الإخلاء التي صدرت خلال المرحلة الماضية عتبة 100 إنذار، مع تسجيل نحو 104 إنذارات طالت قرى وبلدات موزعة على محافظات الجنوب والنبطية والبقاع.

ولم تقتصر الإنذارات على المناطق الجنوبية الحدودية، بل امتدت إلى مناطق في البقاع الغربي، وشملت بلدات عدة بينها سحمر ويحمر ومشغرة وزلايا وإليا ومناطق مجاورة، بما يعكس اتساع النطاق الجغرافي للضغوط الميدانية.

استمرار كلفة التدمير

وكشفت أرقام صادرة عن باحثين ميدانيين أن المعطيات المسجلة منذ 17 أبريل وحتى منتصف مايو تعكس استمرار الكلفة التدميرية المرتفعة في المناطق الجنوبية رغم الهدنة المعلنة.

وأوضح الباحثون أن الإحصاءات المتوافرة تشير إلى تدمير 970 منزلا بشكل كامل خلال هذه الفترة، مقابل تسجيل أضرار جسيمة في 545 منزلا إضافيا، فضلا عن أضرار طفيفة طالت نحو 3400 منزل.

ولا تعكس هذه الأرقام فقط حجم الخسائر المادية، بل تكشف أيضا أن مرحلة ما بعد وقف إطلاق النار لم تعن توقف آثار الحرب على الأرض، إذ إن حجم الأضرار المسجلة يترك انعكاسات مباشرة على واقع السكان وظروف العودة وإعادة الإعمار.

وتظهر معطيات ميدانية مرتبطة بتداعيات المرحلة التي تلت وقف الأعمال العدائية استمرار ارتفاع الكلفة البشرية أيضا، وبحسب أرقام صادرة عن جهات طبية، فقد بلغ عدد القتلى والجرحى المسجلين منذ منتصف أبريل وحتى منتصف مايو 694 قتيلا و1666 جريحا، ما يعكس استمرار التداعيات الميدانية رغم دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ.

مخاوف من حزام أمني جديد

وفي المقابل، يرى محللون عسكريون أن التحركات الإسرائيلية الأخيرة تحمل مؤشرات تتجاوز الطابع العسكري الموضعي باتجاه محاولة تثبيت معادلات أمنية جديدة داخل الأراضي اللبنانية.

وقال المحللون إن التطورات الميدانية الأخيرة في جنوب لبنان توحي بأن إسرائيل تتحرك وفق مقاربة تتجاوز العمليات العسكرية الموضعية باتجاه محاولة تثبيت واقع أمني جديد عبر السيطرة على التلال والمرتفعات الاستراتيجية داخل الأراضي اللبنانية.

وأوضحوا أن المعطيات الميدانية بعد الهدنة المعلنة وخلال الأيام الأخيرة ولا سيما في المناطق الممتدة بين بلدات عدة، تظهر تركيزا واضحا على نقاط جغرافية ذات أهمية استراتيجية.

وأضاف المحللون أنه يبدو أن هناك سعيا لإعادة إنتاج نموذج سبق أن اعتمدته إسرائيل عندما تقدمت نحو عدد من المرتفعات والتلال وأنشأت نقاط تموضع وخطوطا دفاعية ضمن الأراضي اللبنانية.

وحذروا من أن ما يخشى اليوم هو محاولة نقل هذا الخط الدفاعي إلى مواقع جديدة بحيث يصبح قائما على سلسلة من التلال والمرتفعات الطبيعية، بما يسمح بإنشاء حزام أمني أو منطقة عازلة تستند إلى عناصر جغرافية تمنحها أفضلية ميدانية.

وفي قراءتهم للمرحلة التي تلت إعلان وقف الأعمال العدائية، رأى المحللون أن المشكلة الأساسية تكمن في التباين القائم حول تفسير الاتفاق نفسه، موضحين أن البيان الصادر عن جهات دولية بعد اجتماعات حمل مقاربة تعتبر أن ما تقوم به إسرائيل يدخل في إطار حق الدفاع عن النفس وليس ضمن الأعمال العدائية المباشرة.

واضافوا أن إسرائيل تعتمد على هذا التفسير في مقاربتها للميدان، إذ تقدم عملياتها باعتبارها إجراءات استباقية لمنع تهديدات مستقبلية لا عمليات هجومية تقليدية، وهذه نقطة بالغة الحساسية لأنها تفتح الباب أمام استمرار العمليات العسكرية تحت عناوين مختلفة.

واعتبروا أن ما يثير القلق هو أن وتيرة العمليات منذ إعلان الهدنة لم تتراجع بصورة فعلية، بل شهدت تصاعدا تدريجيا مع احتمال ارتفاعها أكثر خلال المرحلة المقبلة، مشيرين إلى أن التركيز على مناطق مثل التلال المشرفة عليها ليس تفصيلا ميدانيا لأن هذه المرتفعات تشكل بطبيعتها حواجز جغرافية تمنح من يسيطر عليها أفضلية عسكرية وأمنية كبيرة.