أثارت عودة القيادي في قوات الدعم السريع، الفاتح عبد الله إدريس، المعروف بـ"أبو لولو"، إلى القتال جدلا واسعا في السودان، وذلك بعد أن كان قد اعتُقل في أواخر العام الماضي إثر انتشار مقاطع فيديو تظهره وهو يعدم أشخاصا عزل في الفاشر.
وكشفت تسعة مصادر لوكالة رويترز للأنباء أن "أبو لولو" أطلق سراحه وعاد إلى القتال، الأمر الذي أثار تساؤلات حول التزامات قوات الدعم السريع بمحاسبة المتورطين في انتهاكات حقوق الإنسان.
وقال مصدران، وهما مسؤول في المخابرات السودانية وقائد في قوات الدعم السريع، إنهما شاهدا شخصيا العميد الفاتح عبد الله إدريس، المعروف باسم "أبو لولو"، في ساحة القتال في كردفان في مارس.
وأفاد ضابط بالجيش التشادي لرويترز بأن ضباطا في الدعم السريع كانوا قد طالبوا بإعادة "أبو لولو" إلى الميدان لتعزيز معنويات القوات التي تخوض معارك عنيفة هناك.
وتحدثت رويترز مع 13 مصدرا قالوا إنهم على علم بالإفراج عن "أبو لولو"، بينهم ثلاثة قادة في قوات الدعم السريع، وضابط في القوات، وأحد أقارب "أبو لولو"، وضابط بالجيش التشادي على صلة بقيادة الدعم السريع، وسبعة مصادر أخرى لها اتصالات بقيادة الدعم السريع أو على اطلاع بمعلومات مخابراتية بشأن عملياتها الميدانية.
ورد متحدث باسم حكومة التحالف الذي تقوده قوات الدعم السريع على أسئلة رويترز ببيان نفى فيه أن تكون القوات قد أفرجت عن "أبو لولو"، مبينا أن محكمة خاصة ستحاكمه وآخرين متهمين بارتكاب انتهاكات خلال الهجوم على الفاشر.
وجاء في البيان أن الحديث بان "أبو لولو" تم إطلاق سراحه حديث غير صحيح ومغرض وعار من الصحة، وأن "أبو لولو" والآخرون المتهمون في انتهاكات عند تحرير الفاشر موجودون قيد التوقيف في السجن منذ القبض عليهم ولم يخرج أبدا من السجن.
تجدر الإشارة إلى أنه لم يتسن لرويترز التواصل مع "أبو لولو".
عقوبات دولية ومطالبات بالمحاسبة
يذكر أن قوات الدعم السريع احتجزت "أبو لولو" في أواخر أكتوبر، بعد أيام من سيطرتها الدموية على الفاشر، وهي مدينة كبيرة في ولاية شمال دارفور، وانتشرت عدة مقاطع فيديو تظهره وهو يعدم أشخاصا عزل خلال الهجوم، وبعد هذه المقاطع أصبح يشتهر بلقب "جزار الفاشر"، وهو اللقب الذي أشار إليه مجلس الأمن الدولي عندما فرض عليه عقوبات في فبراير بسبب انتهاكات لحقوق الإنسان.
والحرب الأهلية المستمرة بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع هي صراع دموي على السلطة بهدف السيطرة على البلاد ومواردها المالية، وأسفرت عما تصفه منظمات الإغاثة بأنه أكبر أزمة إنسانية في العالم، وفي وقت سابق من هذا العام، خلص تحقيق مستقل للأمم المتحدة إلى أن عمليات القتل الجماعي في الفاشر تحمل سمات الإبادة الجماعية، كما خلص تحقيق منفصل أجرته المنظمة الدولية إلى مقتل ما يربو على ستة آلاف على يد مقاتلي قوات الدعم السريع.
وتظهر أربعة مقاطع فيديو تحققت منها رويترز أن "أبو لولو" أطلق النار على ما لا يقل عن 15 أسيرا أعزل في الفاشر يوم 27 أكتوبر، بعد سيطرة قوات الدعم السريع على المدينة، وكان جميعهم يرتدون ملابس مدنية، ويعتبر قتل أي شخص، حتى لو كان مقاتلا سابقا، وهو أعزل ولا يشكل تهديدا، جريمة حرب بموجب القانون الدولي.
وبعد موجة استنكار دولي، أقر قائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو، المعروف باسم حميدتي، علنا بوقوع انتهاكات من مقاتليه في الفاشر، وقال إنه سيتم تشكيل لجنة مساءلة للتحقيق في أي تجاوزات، وفي 30 أكتوبر، نشرت قوات الدعم السريع مقطع فيديو يظهر نقل "أبو لولو" إلى سجن شالا في جنوب غربي الفاشر، ويظهر في الفيديو "أبو لولو" مكبل اليدين، ويقتاد من مركبة تحيط بها عناصر مسلحة، ويوضع خلف القضبان، ويقول متحدث باسم الدعم السريع، لم تعرف هويته، وهو يقف أمام السجن، إن "أبو لولو" "سيقدم إلى محاكمة عادلة وفقا للقانون".
وفي نوفمبر، نشرت قناة الجزيرة تقريرا قالت فيه إن "أبو لولو" أفرج عنه، مستندة إلى مقاطع فيديو غير محددة المصدر على الإنترنت، لكن في الثاني من ديسمبر، قال رئيس لجنة المساءلة التي عينتها قوات الدعم السريع لرويترز إن "أبو لولو" لا يزال محتجزا لديها، وإن التحقيق جار معه ومع عدد من جنود الدعم السريع الآخرين بشأن انتهاكات ارتُكبت في الفاشر، ولم ترد الجزيرة على أسئلة رويترز بشأن تقريرها.
وقالت أربعة مصادر لرويترز إن "أبو لولو" أفرج عنه في ديسمبر، لكن لم يتسن لرويترز التأكد من موعد إطلاق سراحه.
وذكر أحد أقاربه أنه قبل السماح لـ"أبو لولو" بالعودة إلى الخدمة في كردفان، مثل في نوفمبر أمام مجلس تأديبي يضم ستة من كبار الضباط، وكانت الجلسة تتعلق بمقاطع الفيديو التي ظهر فيها وألحقت ضررا بسمعة قوات الدعم السريع، ولم يتسن لرويترز تأكيد انعقاد هذه الجلسة أو معرفة نتائجها.
وينتمي "أبو لولو" إلى القبيلة نفسها التي ينتمي إليها حميدتي، قائد قوات الدعم السريع، وبحسب ثلاثة مصادر، قائد في الدعم السريع وضابط فيها مقربان من قيادتها وباحث لديه صلات باللجنة المكلفة بالتحقيق مع "أبو لولو"، فإن شقيق حميدتي، عبد الرحيم دقلو، نائب قائد قوات الدعم السريع، أصدر شخصيا أمرا بالإفراج عنه.
وقال ضابط في قوات الدعم السريع إن اللجنة التأديبية لم تفرج رسميا عن "أبو لولو"، لكن نائب القائد أمر بإطلاق سراحه عبر رسالة لاسلكية.
مسؤولية القيادة في الانتهاكات
مقاطع الفيديو الخاصة بـ"أبو لولو" من بين نحو 300 مقطع مماثل نشرت على الإنترنت، وعكفت رويترز على تحليلها مع مشروع "سودان ويتنس" التابع لمركز المرونة المعلوماتية.
وكان "أبو لولو" القائد الوحيد الذي حددته رويترز في مقاطع فيديو وهو يطلق النار على عزل، غير أن تحقيق رويترز ومشروع "سودان ويتنس" وجد أيضا أن ثلاثة قادة كبار آخرين في قوات الدعم السريع كانوا في المنطقة نفسها عندما وقعت عمليات القتل الجماعي.
ويظهر أحد مقاطع الفيديو التي تحققت منها رويترز القائد جدو حمدان أبو نشوك، وهو أعلى قائد في قوات الدعم السريع لمنطقة شمال دارفور، يسير إلى جانب "أبو لولو" صباح 27 أكتوبر.
وحددت رويترز الموقع الجغرافي لمقاطع الفيديو من هذه المنطقة، ووجدت أن أبو نشوك صور على بعد 40 مترا من مقطعين آخرين يظهران "أبو لولو" وهو يعدم رجالا عزل، ومن خلال قياس الظلال في المقاطع الثلاثة، خلصت رويترز إلى أنها صورت خلال فترة زمنية واحدة امتدت لساعتين.
وبموجب القانون الدولي، قد يحاسب هؤلاء القادة جنائيا على الجرائم التي يرتكبها مقاتلوهم خلال الصراع، وفقا لما قالته جيهان هنري، وهي محامية حقوقية والمديرة المسؤولة عن ملف السودان في منظمة "ذا ريكوننج بروجيكت" أو "مشروع المحاسبة"، وهي منظمة غير ربحية مقرها الولايات المتحدة توثق جرائم الحرب.
ولم ترد قوات الدعم السريع على أسئلة بشأن الأفعال المحددة لأي من القادة الذين كانوا حاضرين خلال الهجوم على الفاشر، وفي 29 أكتوبر، قال حميدتي إن أي جندي أو ضابط يرتكب جريمة سيتم اعتقاله والتحقيق معه، مع الإعلان عن النتائج.
وقال المتحدث تقد لسان إن حكومة الدعم السريع تاخرت في محاكمة المتهمين بارتكاب الانتهاكات "بسبب أننا في مرحلة تاسيس هياكل الدولة وفي ظروف صعبة".
وأضاف أنهم ملتزمون بتحقيق العدالة ومحاسبة كل من يقوم بانتهاكات، مؤكدا أن كل ما يدور من حديث غير ذلك يعد تضليلا متعمدا.
أوامر بالتزام الصمت وعودة للقتال
قال أحد قادة قوات الدعم السريع إن القيادة أمرت الضباط الآخرين بالتزام الصمت بشأن عودة "أبو لولو" إلى القتال، وقال قائد آخر في الدعم السريع وأحد أقارب "أبو لولو" إنه أفرج عنه بشرط ألا يقوم بالتصوير أو يتم تصويره في ساحة المعركة، ولم تعثر رويترز على أي صور له أثناء مشاركته في العمليات منذ الإفراج عنه.
وقال أحد قادة الدعم السريع، الذي طلب عدم الكشف عن اسمه، إنه "حر منذ نحو ثلاثة أو أربعة أشهر، وهو في ساحة المعركة مع قواته".
وأشار قريب "أبو لولو" إلى أن الدعم السريع بحاجة إلى خدماته لأن القوات تواجه صعوبات، وبعد ترسيخ سيطرتها على الفاشر، نقلت قوات الدعم السريع هجومها شرقا إلى منطقة كردفان، الواقعة بين مناطق سيطرتها والمناطق الخاضعة لسيطرة الجيش، حيث واجهت قتالا عنيفا.
وقال قريب "أبو لولو" إنه "يحظى بشعبية كبيرة في صفوف المقاتلين، وهذا جيد لرفع معنوياتهم".
وفي عدة مقاطع فيديو تحققت منها رويترز ومشروع "سودان ويتنس"، أشاد مقاتلون آخرون في قوات الدعم السريع بـ"أبو لولو" وبأعمال القتل التي ارتكبها، وفي أحد المقاطع، الذي صوره ونشره على الإنترنت في أول نوفمبر صلاح عابدين محمد عزالة، وهو مقاتل في الدعم السريع يقول عزالة إن كثيرا من المقاتلين مستعدون لأخذ مكان "أبو لولو".
ويقول أمام الكاميرا أنه إذا اختفى أبو لولو أو تم اعتقاله أو محاكمته، فانهم جميعا الف أبو لولو، مضيفا أنه ايضا أبو لولو.
-
-
مقتل ستة أشخاص في إطلاق نار بمرسين التركية2026-05-19 -
-
-
