غضب في ليبيا لتكريم مسؤولة سابقة مرتبطة بـ«القمع» في عهد القذافي

غضب في ليبيا لتكريم مسؤولة سابقة مرتبطة بـ«القمع» في عهد القذافي

أثار تكريم هدى بن عامر، المسؤولة السابقة في عهد الرئيس الراحل معمر القذافي، موجة غضب واسعة في الأوساط الليبية، إذ اعتبر البعض أن هذا التكريم يمثل "انتكاسة لثورة 17 فبراير" و"إهانة للذاكرة الجماعية"، نظرا لارتباط اسمها بوقائع إعدام مواطنين.

وشغلت بن عامر منصب الأمين العام لـ«جهاز التفتيش والرقابة الشعبية» خلال عامي 2010 و2011، وهو المسمى السابق لهيئة الرقابة الإدارية الراهنة، كما كانت عضوا مؤثرا في «اللجان الثورية» وأمينة شؤون المرأة في مؤتمر الشعب العام.

وخلال احتفالية نظمتها هيئة الرقابة الإدارية في طرابلس بمناسبة مرور 55 عاما على صدور تقاريرها السنوية و76 عاما على تأسيسها، جرى استعراض مسيرة رؤساء الهيئة السابقين وتكريمهم بدرع خاص، من بينهم هدى بن عامر، الامر الذي أحدث ظهور اسمها حالة متباينة غلب عليها الرفض.

ويرى الكاتب والمؤرخ الليبي شكري السنكي أن بن عامر شخصية "مثيرة للجدل وتكريمها مستفز"، وأرجع ذلك إلى ارتباط اسمها بسنوات حكم القذافي التي اتسمت بـ"القمع وسفك دماء المواطنين".

وقال السنكي في إدراج له عبر حسابه على «فيسبوك» إن بن عامر "كانت ضمن زمرة نظام القذافي الذين حضروا المحاكمة الصورية التي عقدت داخل مجمع سليمان الضراط بمدينة بنغازي فيما سمي آنذاك بـ(المحكمة الثورية) التي أصدرت حكما بالإعدام على الصادق الشويهدي في 5 يونيو 1984".

وشغلت بن عامر أيضا مناصب قيادية في فترة الجماهيرية، من بينها رئاسة بلدية بنغازي وأمينة شؤون المرأة بمؤتمر الشعب العام، إضافة إلى منصبها كأمين عام لجهاز التفتيش والرقابة الشعبية.

وعد السنكي تكريم بن عامر "إهانة للذاكرة الوطنية وإفراغا لمفهوم التكريم من رمزيته وقيمته وأهدافه"، كما "يثير دعوات إلى التحرك من أجل سحبه وتقديم اعتذار للشعب الليبي، إضافة إلى المطالبة بإقالة عبد الله قادربوه، الرئيس الحالي لهيئة الرقابة الإدارية، من منصبه".

وشمل التكريم، بالإضافة إلى بن عامر، قيادات أخرى من اللجان الثورية ورموز نظام القذافي وهم: عمار مبروك الطيف، وعوض حمزة، وحسني الوحيشي الصادق، وعبد القادر البغدادي، ومحمد محمود حجازي.

«إعدام طلاب الجامعات»

لا يزال الليبيون يتذكرون وقائع "قصة دامية" جرت تفاصيلها في عام 1977 أثناء حكم القذافي، وانتهت - وفق رواتها - بتعليق عدد من طلاب الجامعات والمعارضين على أعواد المشانق في ساحات الجامعات والميادين الليبية.

ويروي متابعون لهذه الأحداث أن الأجهزة الأمنية وما يعرف بعناصر «اللجان الثورية» استهدفت معارضي النظام بشكل واسع، وشنّت حملة مداهمات على جامعتي طرابلس وبنغازي واعتقلت عدداً كبيراً من الطلاب، وفق تقارير انتهت إلى شنقهم على منصات نصبت في حَرَم الجامعات والشوارع وأجبر المواطنون على مشاهدتها حينها، لكن هذه الواقعة يشكك فيها أنصار النظام السابق ويرون أن المحاكمات كانت «لإرهابيين».

وقال الدكتور عبد المنعم الحر، رئيس المنظمة العربية لحقوق الإنسان في ليبيا، إن «الذاكرة الوطنية لأي شعب هي مِلك للضحايا والمظلومين وبالتالي فإن تكريم بن عامر هو إهانة للضحايا وللذاكرة الجماعية».

وعد الحر في تصريح صحافي أنه «عندما يجري الاحتفاء بشخصية يراها قطاع واسع من الشعب مسؤولة عن آلامهم فإن ذلك يعد اعتداء معنويا متجددا على أسر الضحايا الذين سقطوا في فترة كانت شاهدة عليها ومشاركة فيها».

وانتهى الحر إلى أن هذا التكريم «يسهم في طمس الحقائق التاريخية بدلا من توثيقها ويحول الجلاد إلى بطل في رواية رسمية منقوصة مما يعوق عملية الشفاء الوطني».

وعقب الإعلان عن عملية التكريم، ضجت الساحة الليبية بالمعترضين والغاضبين وعدت أمينة الحاسية، عضو اللجنة «الاستشارية»، التكريم «آخر رصاصة في القلب قتلت بها ثورة فبراير»، لكن الأمر لم يخل من المدافعين عن بن عامر وخاصة في صفوف أنصار نظام القذافي.

وتعتقد عفاف الفرجاني، الكاتبة الليبية، أن عبد الله قادربوه، رئيس هيئة الرقابة الإدارية، «اتخذ موقفا نبيلا بعيدا عن عقلية القطيع وثقافة الانتقام التي تحكم هذا المشهد منذ سنوات عندما استدعى شخصا مهنيا مثل هدى بن عامر لتكريمها على مشوارها وما قدمته للهيئة».

هيسيريا الإلغاء

وقالت الفرجاني في إدراج لها عبر صفحتها على «فيسبوك» إن «الشعوب المحترمة لا تمحو تاريخها ولا تدخل في هستيريا الإلغاء لكل من ينتمي لمرحلة سياسية سابقة... وحدكم حولتم ليبيا إلى ساحة كراهية مفتوحة لا تعرف إلا التخوين والشماتة».

ورأت الفرجاني أن «صفحات التطرف خرجت لتنهش في قادربوه لأنه لم يشاركهم سياسة الإقصاء وكأن الوطنية مِلكية خاصة توزعها التيارات المؤدلجة»، وقالت لمنتقدي تكريم بن عامر: «أنتم لا تبنون دولة؛ أنتم تحترفون فقط هدم الذاكرة».

ويعد تيار الرفض لتكريم بن عامر هو الأبرز والأعلى صوتا في ليبيا، مصعدا تجاه رئيس هيئة الرقابة بين من طالبه بـ«الاعتذار» وبين من يشدد على ضرورة إقالته، وهو الرأي الذي تبناه المحلل السياسي محمود إسماعيل.

وقال مصطفى الزايدي، رئيس «حزب الحركة الشعبية»، إن هدى بن عامر «من أسرة مشهود لها بالوطنية والصدق في القول والعمل»، كما أنها سيدة «مناضلة وطنية وقائدة نسوية نقشت للمرأة الليبية موضعا رفيعا بين النساء العربيات».

وسبق أن دعا يوسف العقوري، عضو مجلس النواب الليبي ورئيس لجنة الشؤون الخارجية، إلى محاسبة المتورطين في إعدام عدد من الطلاب والمعارضين عام 1977، معربا عن أسفه لـ«تلك الفترة الحزينة من تاريخ ليبيا».

وقال العقوري في ذكرى سابقة لهذه الواقعة إن «النظام السابق كان قد بدأ حملة قمع واسعة وغير مسبوقة ضد طلاب جامعتي بنغازي وطرابلس والمواطنين الليبيين بالخارج بزعم معاداة (الثورة) في ذلك الوقت».