تواجه فرنسا اختبارا حساسا يتعلق باستقلالية بنكها المركزي، وذلك في ظل ترقب لقرار تعيين رئيس جديد للبنك، الامر الذي ياتي في خضم ضغوط سياسية متزايدة على المؤسسات النقدية في أوروبا.
ويكتسب هذا الملف بعدا اقتصاديا ومؤسسيا مهما، نظرا لارتباطه المباشر باستقلالية السياسة النقدية، وكذلك دور البنك المركزي الفرنسي في إدارة أسعار الفائدة وضمان استقرار النظام المالي في منطقة اليورو.
ويواجه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون اختبارا حاسما هذا الأسبوع، مع استعداد البرلمان لاتخاذ قرار بشأن ترشيح رئيس ديوانه السابق لتولي إدارة بنك فرنسا، وهي خطوة يعتبرها بعض المنتقدين جزءا من مساع أوسع لحماية المؤسسات الرئيسية من احتمال صعود اليمين المتطرف في انتخابات 2027.
وقد يشكل رفض إيمانويل مولان هزيمة محرجة لماكرون، إذ يعكس ذلك تراجع نفوذه السياسي مع اقتراب نهاية ولايته الثانية والأخيرة، وذلك قبل أقل من عام على الانتخابات الرئاسية المقبلة، بحسب ما نقلته رويترز.
ويرى مراقبون أن تمرير التعيين قد يفتح الباب أمام مزيد من الاتهامات للسلطة التنفيذية بمحاولة تثبيت مقربين من الرئيس في مواقع استراتيجية، بما يضمن استمرار إرثه السياسي والتحسب لاحتمال فوز التجمع الوطني في الاستحقاق الرئاسي المقبل.
وقال المحلل السياسي ويليام ثاي من مركز الأبحاث لو ميلينيير إن الرئيس محق من الناحية الفنية في ترشيح مولان، لكن القرار ينطوي على مخاطرة سياسية كبيرة في حال رفضه البرلمان، خصوصا في ظل فقدانه الأغلبية.
ويعد مولان من أبرز صانعي السياسات الاقتصادية المخضرمين في فرنسا.
ويمكن للمعارضين داخل اللجان المالية في مجلسي البرلمان عرقلة التعيين إذا صوت 3 أخماس الأعضاء ضده، ويتم احتساب الأصوات في المجلسين معا، ولا يعتمد التعيين إلا إذا لم تتجاوز نسبة الرافضين 60 في المائة من إجمالي الأصوات.
ويعكس تشكيل اللجان، التي تضم 72 عضوا في مجلس النواب و49 في مجلس الشيوخ، تركيبة المجلسين، ولا يملك ماكرون وحلفاؤه أغلبية في أي منهما.
ورغم توقع وجود مقاومة في لجنة الجمعية الوطنية المنقسمة، ينظر إلى لجنة مجلس الشيوخ التي يهيمن عليها المحافظون من حزب الجمهوريون على أنها الحاسم الأساسي في القرار، وسط تحذيرات من انقسامات محتملة داخل الحزب قد تؤثر على نتيجة التصويت.
ولا يشكك أحد في الكفاءة المهنية لمولان، الذي يعد من أبرز الأسماء في المؤسسة الاقتصادية الفرنسية.
غير أن قربه السياسي من ماكرون أثار تساؤلات حول استقلاليته، وهي مسألة حساسة في منصب يفترض أن يتمتع باستقلال كامل عن النفوذ السياسي، خصوصا داخل البنك المركزي.
وقال إريك كوكريل، رئيس لجنة المالية في الجمعية الوطنية، المنتمي لليسار المتشدد هل سبق أن رأيتم رئيس ديوان الإليزيه يتولى رئاسة بنك فرنسا؟ هذا لم يحدث من قبل.
مسألة استقلالية البنك المركزي
واوضح كوكريل أن غالبية أحزاب اليسار في الجمعية الوطنية تعارض تعيين مولان، في حين لا يزال موقف الاشتراكيين غير محسوم، مع احتمال انقسام الوسطيين غير الداعمين لماكرون.
ورغم الجدل، فإن هناك سابقة مماثلة، إذ عين الرئيس الأسبق فرانسوا هولاند عام 2014 رئيس ديوانه بيير رينيه ليماس لرئاسة بنك الادخار الفرنسي، أحد أبرز المؤسسات المالية في البلاد.
ومن المقرر أن يخضع مولان لجلسات استماع في لجنتي البرلمان يوم الأربعاء قبل التصويت، على أن تعقد جلسة مجلس الشيوخ خلف أبواب مغلقة، بينما لم يحسم بعد ما إذا كانت جلسة الجمعية الوطنية ستكون مفتوحة للصحافة.
وقال النائب الاشتراكي فيليب برون إن مولان أبدى استعداده للقاء النواب لمناقشة أولويات عمله، بدءا من تنظيم القطاع المصرفي، مرورا بمكافحة التضخم، وصولا إلى مسألة استقلالية البنك.
وفي استبيان أرسل إليه، سئل مولان عن كيفية ضمان استقلالية بنك فرنسا في ظل أدواره السياسية السابقة داخل الحكومة، بينما قال إنه سيحتفظ بإجاباته أمام النواب.
اليمين المتطرف: كفى
وبصفته محافظا للبنك المركزي الفرنسي العريق الذي يمتد تاريخه لأكثر من 226 عاما، سينضم مولان إلى مجلس محافظي البنك المركزي الأوروبي المسؤول عن تحديد أسعار الفائدة، إضافة إلى الإشراف على النظام المصرفي الفرنسي.
وحتى قبل ترشيحه، كان خصوم ماكرون قد عبروا عن استيائهم من سلسلة تعيينات شملت مقربين منه، من بينهم ريتشارد فيراند لرئاسة المجلس الدستوري، وأميلي دو مونتشالان لرئاسة هيئة التدقيق العليا.
ويرى نواب التجمع الوطني أن هذه التعيينات تهدف إلى ترسيخ نفوذ حلفاء ماكرون في المؤسسات الحساسة تحسبا لأي انتقال سياسي محتمل في حال فوز اليمين المتطرف بالرئاسة.
وقال النائب فيليب بالارد من التجمع الوطني بعد فيراند ومونتشالان، نقول كفى.
وتشير استطلاعات الرأي إلى أن الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية المقبلة قد تشهد مواجهة بين معسكر ماكرون ومرشح من اليمين المتطرف، الذي يتبنى برنامجا لتعطيل جزء كبير من السياسات الاقتصادية والاجتماعية الحالية.
وكان تعيين فيراند قد أقر بفارق صوت واحد في لجان البرلمان، بينما لم يتطلب تعيين مونتشالان تصويتا برلمانيا.
ويبقى مجلس الشيوخ العامل الحاسم في مصير مولان، وسط ترقب لما إذا كان الجمهوريون سيوحدون صفوفهم، أم سيتجهون إلى الانقسام حول هذا الترشيح الحساس.





