في حقول ولاية هرات بغربي أفغانستان، تتجسد زراعة الزعفران كمنظومة اقتصادية متكاملة، حيث تتشابك الزراعة اليدوية مع التجارة الدولية وسلاسل التصدير المعقدة، ففي هذا المكان، تتحدد قيمة واحدة من أغلى السلع الزراعية في العالم، حيث تُقطف أزهار صغيرة في ساعات الصباح الأولى، وذلك في سوق لا يتوقف عن إعادة تشكيل مراكزه.
وخلال السنوات الأخيرة، تحول الزعفران الأفغاني من محصول محدود الانتشار إلى سلعة تصديرية ذات حضور متزايد في الأسواق العالمية، وتشير بيانات قطاع الزراعة والتجارة في أفغانستان إلى أن صادرات الزعفران بلغت نحو 56 طنا بقيمة تقارب 54 مليون دولار، في وقت تتوسع فيه قاعدة المستوردين لتشمل أسواقًا في أوروبا وأمريكا الشمالية وأستراليا.
ويأتي هذا التوسع في سوق عالمي تقليديا تهيمن عليه إيران، التي تعد أكبر منتج للزعفران في العالم بإنتاج يقدر بنحو 400 طن سنويا، أي ما يقارب 90% من الإنتاج العالمي، غير أن هذا القطاع شهد خلال الفترة الأخيرة تحديات مرتبطة بسلاسل التوريد والتواصل التجاري، وهو ما انعكس بحسب عاملين في القطاع على حركة التصدير إلى الأسواق الخارجية، دون أن يؤدي ذلك إلى تغيير جذري في بنية السوق.
محصول تصديري
قال شير محمد حاتمي المتحدث باسم وزارة الزراعة والثروة الحيوانية في أفغانستان للجزيرة نت إن الزعفران يعد أحد أهم المحاصيل التصديرية في البلاد، مشيرا إلى أن الإنتاج يبلغ نحو 40 طنا سنويا، ينتج الجزء الأكبر منه في ولاية هرات، التي تعد المركز الرئيس لهذا المحصول في البلاد.
واضاف حاتمي أن هذا القطاع يشهد خلال السنوات الأخيرة توسعا تدريجيا في زراعته خارج ولاية هرات، ليشمل عددا من الولايات الأخرى، في إطار خطط تهدف إلى رفع حجم الإنتاج الوطني، وتعزيز القدرة التصديرية.
وبين المتحدث نفسه أن هذا التوسع يأتي ضمن توجه حكومي لدعم الزراعة البديلة ذات القيمة العالية، بما يسهم في زيادة العائدات من النقد الأجنبي، وتحسين دخل المزارعين في المناطق الريفية عبر تشجيع التحول نحو محاصيل تصديرية أكثر ربحية مثل الزعفران.
فرص عمل موسمية
داخل أحد حقول الزعفران في هرات، قال عبد الحكيم عطايي وهو عامل يشارك منذ سنوات في مواسم الحصاد إن العمل في زراعة الزعفران أصبح مصدر دخل مهم للعديد من العائلات الريفية، خاصة مع اتساع المساحات المزروعة في السنوات الأخيرة.
واضاف عبد الحكيم للجزيرة نت أن العمل على حصاد الزعفران يبدأ منذ ساعات الصباح الأولى، حيث تقطف الأزهار يدويا ثم تنقل إلى مراكز الفرز والتجفيف، وهي مراحل تحتاج إلى أيد عاملة كثيرة ودقة في التعامل مع المنتج.
واوضح أن زيادة الطلب على الزعفران خلال الموسم الحالي انعكست على حجم العمل داخل الحقول ومراكز التعبئة، مشيرا إلى أن بعض المزارعين والشركات احتاجوا إلى عدد أكبر من العمال مقارنة بالفترة السابقة.
وقال إن كثيرا من العمال في هرات يعتمدون على موسم الزعفران كمصدر دخل موسمي يساعدهم على تغطية جزء من احتياجاتهم المعيشية، خصوصا في المناطق الريفية التي تقل فيها فرص العمل الثابتة.
تغير في وجهات التصدير
يقول عدد من مصدري الزعفران في أفغانستان إن الطلب الخارجي على المنتج المحلي شهد ارتفاعا خلال الفترة الأخيرة، بالتزامن مع تغيرات في مسارات التصدير الإقليمية، ما أدى إلى تعزيز حضور الشركات الأفغانية في بعض الأسواق الدولية.
وقال عبد الله خيرانديش مدير إحدى شركات تصدير الزعفران للجزيرة نت إن تعطل بعض مسارات الشحن والتواصل التجاري في المنطقة انعكس على حركة التجارة، موضحا أن عددا من العملاء الذين كانوا يعتمدون على السوق الإيرانية بدأوا بالتوجه نحو أفغانستان.
واضاف خيرانديش أن شركته تلقت طلبات من أسواق دولية تشمل أستراليا وكندا والولايات المتحدة الأمريكية، مشيرا إلى أن جزءا من هذه الطلبات تحول إلى عقود تصدير فعلية خلال الأشهر الأخيرة.
من جانبه، قال نثار أحمد عطائي وهو مسؤول في شركة أخرى لتصدير الزعفران في تصريح للجزيرة نت إن الطلب ارتفع مقارنة بالفترة السابقة، مضيفا أن بعض العملاء الذين كانوا يتعاملون مع إيران باتوا يتجهون للسوق الأفغانية نتيجة تغيرات في مسارات التصدير.
زيادة نسبية
ويقول اتحاد الزعفران في أفغانستان إن الزعفران المحلي كان يتمتع أصلا بطلب مرتفع في الأسواق العالمية، لكنه يقر بوجود زيادة نسبية في الصادرات في الشهرين الماضيين تقدر بنحو 20% إلى 25%.
وقال المدير التنفيذي للاتحاد فرهاد اميد للجزيرة نت إن الصادرات تحسنت خلال الفترة الأخيرة، لكن الحديث عن استحواذ أفغانستان على سوق الزعفران العالمي غير دقيق، مشيرا إلى أن السوق ما زال تنافسيا ويعتمد على عدة أطراف رئيسية.
وفي الوقت الذي ينفي فيه الاتحاد الاتهامات المتعلقة بإعادة تصدير الزعفران الإيراني باسم أفغانستان، يؤكد أن الزعفران الأفغاني يمتلك هوية إنتاجية مستقلة، وأن عمليات التصدير تخضع لإجراءات رقابية وشهادات معتمدة.
ويقر بأن سوق الزعفران العالمي شديد التعقيد ويعتمد على سلاسل توريد متعددة.
تغيرات لوجستية
يرى خبراء في الاقتصاد الزراعي أن سوق الزعفران العالمي يعد من أكثر الأسواق حساسية للتغيرات في سلاسل التوريد، نظرا لاعتماده على النقل السريع والمعايير الدقيقة في الجودة والتخزين.
واشار الخبير الاقتصادي الأفغاني نعمة الله خبيب للجزيرة نت إلى أن أي اضطراب في دولة منتجة كبرى مثل إيران يمكن أن ينعكس بشكل مباشر على حركة التجارة الدولية، لكنه لا يؤدي بالضرورة إلى تغيير دائم في هيكل السوق، بل يساهم في إعادة توزيع مؤقتة أو جزئية للطلب من قبل الموردين.
واضاف خبيب أن الأسواق العالمية للسلع الزراعية عالية القيمة مثل الزعفران تتسم بمرونة في اختيار مصادر التوريد، ويميل المستوردون إلى تنويع الموردين عند حدوث اختناقات لوجستية أو صعوبات في سلاسل الإمداد.
واوضح أن ما تشهده السوق حاليا يدخل ضمن إعادة ضبط مؤقتة لمسارات التجارة أكثر من كونه تحولا إستراتيجيا في مراكز الإنتاج، مع استمرار المنافسة بين المنتجين الرئيسيين في المنطقة.
بين توسع الفرصة وحدود السوق
بين ارتفاع الطلب وتوسع الأسواق الخارجية، تبدو أفغانستان أمام فرصة لتعزيز موقعها في سوق الزعفران العالمي، لكن هذا التوسع ما يزال مرتبطا بعدة عوامل حاسمة، أبرزها استقرار سلاسل التصدير، وتطوير البنية اللوجستية، والحفاظ على جودة المنتج، إلى جانب استمرار الطلب العالمي.
ورغم أن الزعفران الأفغاني بات أكثر حضورا في الأسواق الدولية خلال الفترة الأخيرة، إلا أن المشهد يبقى مفتوحا في سوق يتأثر بسرعة بالتغيرات الاقتصادية واللوجستية وسلاسل الإمداد.





