تتجه الأوضاع السياسية في الصومال نحو مزيد من التعقيد مع تعثر دعوات الحوار الرئاسي وتصاعد تحركات المعارضة في مقديشو عبر تنظيم احتجاجات، بالتزامن مع إجراء انتخابات محلية في بعض المديريات بطريقة الانتخاب المباشر التي تتمسك بها الحكومة وترفضها المعارضة.
وقد واجه الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود تحركات المعارضة بخطاب للشعب، وطالب فيه الطامحين لقيادة البلاد بضرورة طرح رؤية سياسية بدلا من الفوضى، وهو مشهد يرى خبير في الشؤون الصومالية والأفريقية أنه يقود لسيناريوهات معقدة أبرزها التوصل لتفاهمات وحلول سياسية، وأخطرها الصدام ودخول البلاد في عدم استقرار أمني.
وقال شيخ محمود إن 13 مديرية توجهت للادلاء بأصواتها واختيار الحكومات المحلية ومجالس المديريات وممثلي الولايات، مبينا أن المواطنين اصطفوا في طوابير طويلة للإدلاء بأصواتهم ومن بينهم كبار السن وذوو الاحتياجات الخاصة والشباب.
ولفت في كلمته إلى أن بعض السياسيين حاولوا من خلال مظاهرة دفع المواطنين نحو أعمال شغب، متسائلا عن سبب تنظيم تلك المظاهرة في هذا التوقيت، في وقت تشهد فيه بعض مناطق البلاد انتخابات مباشرة، وكذلك تزامنها مع دعوة الحكومة الفيدرالية إلى عقد اجتماع تمهيدي للحوار والتشاور.
وفي وقت سابق، دعا شيخ محمود مجلس المستقبل المعارض إلى المشاركة في حوار يعقد رسميا لمناقشة القضايا المصيرية للبلاد بروح إيجابية وشفافية ومسؤولية، ولم توضح السلطات في مقديشو سبب عدم عقد ذلك الحوار، إلا أن وسائل إعلام محلية تحدثت عن رفض للمشاركة من جانب المعارضة.
وقال الرئيس الصومالي إن المظاهرة لم تكن منظمة بحسن نية بل كانت تهدف إلى عرقلة الصومال، ودعا السياسيين الطامحين إلى قيادة البلاد إلى طرح رؤى يمكن أن تحظى بقبول المواطنين، محذرا إياهم من إثارة الحساسيات والعواطف بين أبناء الشعب.
اختبار مصيري
ويرى الخبير في الشؤون الصومالية والأفريقية علي محمود كلني أن الساحة السياسية في الصومال تمر بواحدة من أكثر مراحلها حساسية منذ سنوات مع تصاعد حدة الخلاف بين الحكومة الفيدرالية وقوى المعارضة وفشل جولات الحوار السياسي في الوصول إلى تفاهمات واضحة بشأن مستقبل المرحلة الانتقالية وشكل الانتخابات والتعديلات الدستورية المثيرة للجدل.
وبينما تتمسك الحكومة بخيار المضي في تنفيذ الدستور المعدل والانتخابات المباشرة، ترى المعارضة أن السلطة تتجه نحو فرض أمر واقع سياسي قد يقود البلاد إلى أزمة دستورية وأمنية مفتوحة، وأضاف أن الخلافات تضع الدولة الصومالية أمام اختبار مصيري قد يحدد شكل النظام السياسي ومستقبل الاستقرار خلال السنوات المقبلة.
وبحسب كلني، فإن جوهر الأزمة الحالية لا يتعلق فقط بالخلاف حول الانتخابات بل يمتد إلى طبيعة النظام السياسي نفسه وحدود صلاحيات الحكومة المركزية ومستقبل الفيدرالية في البلاد، مشيرا إلى أن التعديلات الدستورية الأخيرة التي أقرت تمديد مدة الولاية الرئاسية والبرلمانية إلى خمس سنوات ضمن ما يعرف بـ العام الانتقالي فجرت موجة اعتراضات واسعة من قوى المعارضة وعدد من الولايات الإقليمية التي اعتبرت الخطوة تجاوزا للتوافق الوطني ومحاولة لإعادة تركيز السلطة في يد الحكومة المركزية.
وفي المقابل تؤكد الحكومة أن التعديلات تأتي ضمن مسار إصلاح سياسي يهدف إلى إنهاء نظام المحاصصة القبلية والانتقال إلى انتخابات مباشرة، معتبرة أن المرحلة الحالية تتطلب ترتيبات انتقالية لتطبيق النظام الجديد، لكن المعارضة ترى أن السلطة تستخدم شعار التحول الديمقراطي لتبرير تمديد سياسي غير توافقي.
وعن سبب التصعيد قال إنه يبدو أن المعارضة باتت مقتنعة بأن الحكومة تستخدم الحوار وسيلة لشراء الوقت وامتصاص الضغوط الداخلية والخارجية، بينما تتهم الحكومة خصومها بمحاولة عرقلة مشروع الانتخابات المباشرة والحفاظ على النظام التقليدي القائم على المحاصصة.
التعديل الدستوري
ويضيف الدستور الصومالي المعدل حديثا عاما انتقاليا يترتب عليه تمديد فترتي مؤسستي الرئاسة والبرلمان سنة أخرى، لكن المعارضة لا تكف عن التهديد والإنذار بأنها لن تسمح بتجاوز المواعيد السابقة المقررة لانتهاء ولاية شيخ محمود في منتصف مايو الحالي.
وكان رئيس مجلس النواب آدم محمد نور مدوبي قد أكد أن جميع المؤسسات الدستورية ستعمل وفق الدستور المعدل الذي وقعه الرئيس وينص على أن تكون مدة ولاية الرئيس والبرلمان 5 سنوات بدلا من 4 سنوات يفترض أن تنتهي قبل منتصف الشهر الحالي.
وعقب إقرار التعديل الدستوري في مارس الماضي قال ائتلاف المعارضة الصومالية المعروف باسم مجلس مستقبل الصومال في بيان إن مدة ولاية البرلمان الفيدرالي وفق الدستور المؤقت لعام 2012 تنتهي في 14 ابريل 2026 فيما تنتهي ولاية الرئيس في 15 مايو من العام نفسه، مضيفا أنه يرفض بشكل واضح وصريح أي محاولة لتمديد فترة الولاية بعد المواعيد المحددة في الدستور المؤقت لعام 2012.
وجاءت أحدث تلك التهديدات على لسان رئيس بونتلاند سعيد عبد الله دني المختلف مع الحكومة الفيدرالية، محذرا في نهاية ابريل الماضي من أن الخلافات السياسية قد تهدد وجود الدولة إذا لم يتم التوصل إلى حل شامل قبل نهاية ولاية الرئيس.
السيناريوهات المحتملة
ويرى كلني أن المشهد الحالي يفتح الباب أمام عدة سيناريوهات محتملة أولها نجاح الوساطات الداخلية والدولية في فرض تسوية سياسية مؤقتة تضمن تهدئة التوتر وتأجيل الانفجار، وثانيها استمرار حالة الجمود والتصعيد المتبادل بما يقود إلى أزمة دستورية طويلة الأمد تشل مؤسسات الدولة.
أما السيناريو الأخطر فهو بحسب كلني انزلاق الخلاف السياسي إلى صدامات أمنية أو مواجهات بين الحكومة وبعض القوى المحلية والإقليمية وهو ما قد يعيد البلاد إلى دائرة الفوضى وعدم الاستقرار.
وقال في ظل المعطيات الحالية يبدو أن الأزمة الصومالية دخلت مرحلة أكثر تعقيدا من مجرد خلاف انتخابي عابر لتتحول إلى صراع على شكل الدولة ومستقبل النظام السياسي في وقت تحتاج فيه البلاد إلى توافق وطني واسع أكثر من أي وقت مضى.
وتابع لتفادي أي سيناريو صدامي سيحاول الشركاء الدوليون وفي مقدمتهم الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي والدول الغربية الدفع نحو حوار شامل يمنع انزلاق البلاد إلى مواجهة سياسية مفتوحة.





