في خضم الجدل العالمي الدائر حول السمنة، يركز الاهتمام غالبا على الوزن الكلي للجسم، غير ان العلم الحديث يقدم صورة اكثر تعقيدا ودقة، فالمشكلة لا تكمن فقط في كمية الدهون، بل في مكان تراكمها داخل الجسم.
واظهرت الابحاث خلال العقود الاخيرة ان الدهون المتراكمة في منطقة البطن، والمعروفة بالسمنة المركزية، اشد خطرا بكثير من الدهون الموزعة في اماكن اخرى.
وهذه السمنة لم تعد مجرد مسالة جمالية او شكلية، بل تعد اليوم احد ابرز المحركات لما يعرف بامراض القلب والايض، بما في ذلك ارتفاع ضغط الدم، واضطرابات الدهون في الدم، وداء السكري من النوع الثاني، ومرض الكبد الدهني غير الكحولي، وامراض القلب والسكتات الدماغية.
نوع مختلف من الدهون
وتشير السمنة المركزية الى تراكم الدهون في عمق التجويف البطني، حيث تحيط باعضاء حيوية مثل الكبد والبنكرياس والامعاء، وتعرف هذه الدهون بالدهون الحشوية، وهي تختلف جذريا عن الدهون الموجودة تحت الجلد.
فبينما تعمل الدهون تحت الجلد كمخزون للطاقة، تتصرف الدهون الحشوية كانها عضو نشط هرمونيا، اذ تفرز احماضا دهنية وهرمونات ومواد التهابية مباشرة في مجرى الدم.
وبسبب قربها من الاعضاء الحيوية، فان هذه المواد تؤثر بسرعة في وظائف الجسم الطبيعية، وهو ما يفسر ارتباطها القوي بالامراض.
المحرك الخفي لامراض القلب والايض
وتقف السمنة المركزية في قلب ما يعرف بالاختلال القلبي الاستقلابي، حيث تعمل كنقطة انطلاق لسلسلة من الاضطرابات المترابطة التي تمس كلا من الايض والجهاز القلبي الوعائي.
ومن اولى هذه الاضطرابات مقاومة الانسولين، اذ تؤدي الاحماض الدهنية المنبعثة من الدهون الحشوية الى اضعاف استجابة الخلايا للانسولين، مما يعيق تنظيم مستوى السكر في الدم.
ومع مرور الوقت، يفشل البنكرياس في التعويض، لترتفع مستويات السكر تدريجيا وتظهر الاصابة بداء السكري من النوع الثاني، غالبا بعد سنوات من التغيرات الصامتة، وفي الوقت ذاته، تحدث السمنة المركزية خللا واضحا في توازن الدهون في الدم، فيما يعرف باضطراب شحوم الدم.
ويتميز هذا الاضطراب بارتفاع الدهون الثلاثية، وانخفاض الكوليسترول الجيد، وزيادة الجزيئات الصغيرة والكثيفة من الكوليسترول الضار، وهي الاكثر قدرة على احداث تلف في جدران الشرايين، ويعد هذا النمط من اخطر العوامل التي تسرع تصلب الشرايين.
حين تتحول الدهون الى ضغط مرتفع
ومن النتائج المباشرة ايضا للسمنة المركزية ارتفاع ضغط الدم، وهو ليس حدثا عرضيا، بل نتيجة تفاعل عدة اليات بيولوجية.
فالدهون الحشوية تنشط الجهاز العصبي الودي، مما يزيد من معدل ضربات القلب ويؤدي الى تضيق الاوعية الدموية، كما تحفز نظام الرينين انجيو تنسين الدوستيرون، وهو نظام هرموني يؤدي الى احتباس الصوديوم والماء داخل الجسم، مما يرفع الضغط الدموي.
واضافة الى ذلك، يمكن لتراكم الدهون حول الكلى ان يؤثر في وظيفتها في تنظيم السوائل، بينما تسهم الالتهابات المزمنة في اضعاف مرونة الاوعية الدموية، وتؤدي هذه العوامل مجتمعة الى ارتفاع مستمر في ضغط الدم، مع ما يحمله ذلك من مخاطر على القلب والدماغ والكلى.
الكبد غير الكحولي
ومن اخطر المضاعفات ارتباطا بالسمنة المركزية مرض الكبد الدهني غير الكحولي، فمع وجود مقاومة الانسولين وزيادة تدفق الاحماض الدهنية من الدهون الحشوية، يبدا الكبد في تخزينها، مما يؤدي الى تراكم الدهون داخله، ومع الوقت، قد يتطور هذا التراكم الى التهاب وتلف في خلايا الكبد، ثم الى تليف في الحالات المتقدمة.
وينظر اليوم الى الكبد الدهني على انه الوجه الكبدي لامراض القلب والايض، نظرا لارتباطه الوثيق بمقاومة الانسولين واضطرابات الدهون وارتفاع خطر الاصابة بامراض القلب.
الالتهابات المزمنة
وتشترك جميع هذه الاضطرابات في عامل اساسي هو الالتهاب المزمن منخفض الدرجة، فالدهون الحشوية تفرز بشكل مستمر مواد التهابية تنتشر في الجسم، فتحدث ضررا تدريجيا للاوعية الدموية، وتفاقم مقاومة الانسولين، وتخل بتوازن الدهون، وتساهم في رفع ضغط الدم.
وهذا الالتهاب الصامت هو الرابط الخفي الذي يجمع بين السمنة المركزية ومجمل امراض القلب والايض.
لماذا لا يكفي موشر كتلة الجسم؟
ولا يعكس مؤشر كتلة الجسم (الوزن بالكيلوغرام مقسوم على مربع الطول بالمتر) دائما المخاطر الصحية الحقيقية، اذ يمكن لشخص بوزن طبيعي ان يحمل نسبة مرتفعة من الدهون الحشوية، وهي حالة تعرف احيانا بالسمنة ذات الوزن الطبيعي.
كما ان هذا المؤشر لا ياخذ في الاعتبار نسبة الكتلة الخالية من الدهون مقابل الكتلة الدهنية (قد يمتلك لاعبو كمال الاجسام مؤشر كتلة جسم مرتفعا دون ان تكون لديهم كتلة دهنية مرتفعة).
لذلك، يوصي الخبراء بالاعتماد على قياسات اخرى مثل محيط الخصر او نسبة الخصر الى الطول، التي تعد اكثر دقة في تقييم خطر الاصابة بامراض القلب والايض.
خطر يمكن تفاديه
ورغم خطورتها، تبقى السمنة المركزية من الحالات التي يمكن التحكم بها، فالدهون الحشوية تستجيب بشكل ملحوظ للتغييرات في نمط الحياة، يساعد النشاط البدني المنتظم، خاصة عند الجمع بين التمارين الهوائية وتمارين القوة، على تقليل الدهون البطنية.
كما ان اتباع نظام غذائي غني بالاطعمة الطبيعية والالياف والدهون الصحية يساهم في تحسين التوازن الايضي، ويلعب النوم الجيد وتقليل التوتر دورا اساسيا في تنظيم الهرمونات المرتبطة بتراكم الدهون.
وحتى التغييرات البسيطة يمكن ان تؤدي الى تحسن ملموس في ضغط الدم، وتوازن الدهون، وصحة الكبد، والمخاطر القلبية.





