أوروبا تستبعد هواوي و زد تي إي: هل هو تقليل مخاطر أم حرب باردة رقمية؟

أوروبا تستبعد هواوي و زد تي إي: هل هو تقليل مخاطر أم حرب باردة رقمية؟

في خطوة تعكس تحولا كبيرا في السياسة التكنولوجية الاوروبية، أصدرت المفوضية الأوروبية توصية حاسمة تدعو دول الاتحاد إلى استبعاد معدات شركتي هواوي و زد تي إي الصينيتين من البنية التحتية لاتصالاتها.

واوضح تقرير موقع ذا نكست ويب الهولندي أن هذا القرار يأتي تتويجا لمسار بدأ عام 2020 عبر صندوق أدوات الأمن السيبراني للجيل الخامس، لكنه ينتقل الآن من كونه توجيهات طوعية إلى مسودة قوانين ملزمة تهدف إلى حماية السيادة الرقمية للقارة.

وبين التقرير أن جوهر المعضلة الأمنية يكمن في البنية التحتية للاتصالات الحديثة التي تعتمد على تقنيات الشبكات المعرفة برمجيا، ما يعني أن جزءا كبيرا من وظائف الشبكة يعتمد على طبقات برمجية معقدة، وليس فقط على العتاد المادي.

واضاف التقرير أن التخوف التقني يكمن في إمكانية وجود ابواب خلفية في هذه الطبقات تسمح بالتحكم عن بعد أو اعتراض البيانات، وهو ما يصعب كشفه حتى مع التحديثات الأمنية الدورية.

وإضافة إلى ذلك، كشفت التقارير عن مسألة مركزية المورد، حيث أن الاعتماد على مورد واحد في كامل السلسلة يمنح هذا المورد قدرة سيطرة مطلقة.

واكدت التقارير أنه إذا اعتُبر المورد عالي المخاطر بسبب القوانين الوطنية لبلد المنشأ، مثل قانون الاستخبارات الصيني لعام 2017، فإن هذا التحكم يصبح تهديدا أمنيا مباشرا.

وعلى عكس سياسة فك الارتباط الكامل التي تنتهجها الولايات المتحدة الامريكية، يتبنى الاتحاد الاوروبي سياسة تقليل المخاطر.

ومع ذلك، أظهرت التقارير أن حزمة الامن السيبراني التي قدمتها المسؤولة عن السيادة التكنولوجية في الاتحاد هينا فيركينن في يناير/كانون الثاني من هذا العام، وضعت جدولا زمنيا صارما، من خلال فترة الاحلال بداية، فالتوجه الحالي يفرض ازالة المكونات من الموردين عاليي المخاطر خلال 36 شهرا من تاريخ نفاذ القوانين الجديدة.

وإلى جانب الالتزام القانوني، بينت التقارير أن الشركات التي لا تمتثل قد تواجه اجراءات انتهاك قانوني وغرامات مالية، وهو تحول كبير مقارنة بوضع عام 2024، حيث كانت 11 دولة فقط من اصل 27 قد اتخذت اجراءات ملموسة.

وتحمل عملية الاستبدال اعباء اقتصادية جسيمة، حيث تشير بيانات وكالة فيتش الامريكية البريطانية للتصنيفات الائتمانية وتوقعات السوق، الى ان التكلفة لا تقتصر على شراء اجهزة من اريكسون او نوكيا، بل تمتد لتشمل التكاليف التشغيلية.

ويتوقع التقرير زيادة انفاق شركات الاتصالات مثل فودافون وبي تي على استبدال البنية التحتية الحالية، مما قد ينعكس على اسعار الخدمات للمستهلك النهائي.

يضاف الى ذلك موضوع تحديات سلاسل التوريد، وذلك ان الاعتماد الكلي على موردين اوروبيين قد يخلق ضغطا على القدرة الانتاجية ويؤدي الى تباطؤ في سرعة نشر تقنيات الجيل السادس في بعض المناطق.

نحو هندسة مفتوحة

وكاستجابة تقنية لتقليل الاعتماد على الموردين التقليديين سواء اكانوا صينيين ام غيرهم، يتجه الاتحاد الاوروبي نحو دعم تقنيات شبكات الوصول الراديوي المفتوحة (Open RAN)، حيث تسمح هذه التقنية باستخدام برمجيات واجهزة من موردين مختلفين في نفس الشبكة، مما يكسر الاحتكار ويمنح مرونة اكبر.

بينما يرى الخبراء ان زيادة عدد الواجهات في الشبكة المفتوحة قد تزيد من مساحة الهجوم، مما يتطلب بروتوكولات امنية اكثر صرامة ومراقبة مستمرة.

استشراف المستقبل

ويعكس قرار الاتحاد الاوروبي قناعة متزايدة بان التكنولوجيا ليست مجرد اداة اقتصادية، بل هي بنية تحتية سيادية، حسب ما يقول المراقبون، فبينما تخاطر اوروبا بتوترات تجارية مع بكين التي لوحت باجراءات مضادة، الا ان التوجه العام يميل الى اعتبار امن الشبكات الوطنية غير قابل للتفاوض.

ويضيف المراقبون ان التحدي القادم للاتحاد الاوروبي هو ضمان الا يؤدي هذا السور الرقمي الى تخلف القارة عن ركب الابتكار العالمي، او زيادة الفجوة الرقمية بين الدول الاعضاء التي طبقت الاجراءات واخرى لا تزال تعتمد على الموردين الصينيين.